كتابات

محمد جميل أحمد يكتب: أطفئوا نيران الفتنة في بورتسودان

محمود درويش: “سنصير شعباً حين ننسى ما تقول لنا القبيلة”

ليس مهماً لدى البعض، أن يستوي عندهم فهم متناقض لموضوع واحد كالثورة، ثم تفضحهم أحوال وأوضاع يصبح تصالحهم معها طعناً في صميم وعيهم الثوري!

وليس مهماً لدى آخرين إذا كان وعيهم المفكك يغذي لديهم شعوراً بالسلبية والانعزالية والتفرج على حريق يحصد مكونات أهلية يحترق بنيرانها بينهم أبرياء في الفتنة، ثم لا تعنيهم تلك الفتنة، فقط لمجرد أنهم ليسوا جزءاً من تلك المكونات!؟

ما يحدث في مدينة بورتسودان (شرق) من فتنة أهلية منذ الأربعاء 21 أغسطس (آب)، بين قبيلتي بني عامر والحباب من جهة، وبين قبيلة النوبة في ظل عدم الاكتراث الذي أصاب بقية المكونات الأهلية في نسيج المدينة (في ظل ثورة كبيرة أنجزها السودانيون) لا يعني سوى أمر واحد، هو أن ذلك الشعور الانعزالي والسلبية التي أصابت بقية المواطنين من المكونات الأهلية لنسيج المدينة تدل دلالة واضحة إلى أن القوى السياسية والمدنية وبقية مواطني هذه المدينة، إما أنهم لم يدركوا بعد أن هذه الفتنة إذا اتسعت وتفجر فيها الاحتراب الأهلي فلن ينجو منها أحد في المدينة، وإما أنهم حتى الآن لا يدركون المعنى العميق للثورة بوصفها إرادة حقيقية للعيش بسلام ورفضاً للظلم والاعتداء من أي كان.

ما تشهده مدينة بورتسودان من صراع دام وقتل بين قبيلتي النوبة، والبني عامر والحباب، ومن حرق للبيوت، يدل في دلالة أولى إلى فتنة كانت أسبابها سياسية تتصل بمحاولة بقايا نظام البشير البائد في مدينة بورتسودان إشعالها بين القبيلتين، بدليل أن بداية الفتنة تزامنت مع أحداث فض اعتصام القيادة العامة ضد الثوار في الخرطوم حيث بدأت الفتنة يوم 30 رمضان في الرابع من يونيو (حزيران) الماضي بعد يوم من مذبحة فض الاعتصام في الخرطوم. ثم توصل الطرفان إلى صلح برعاية الحكومة ورجال الإدارة الأهلية واستقروا على هدنة، جرى معها فرض حظر التجول ليلاً، في موازاة نشر قوات نظامية في الطريق الفاصل بين الحيين اللذين اندلعت فيهما الاشتباكات، وهما حي “دار النعيم” الذي يسكنه بنو عامر والحباب، وحي “فيلب” الذي يقطنه النوبة، ويفصل بين الحيين طريق عام.

ومنذ الأربعاء 21 أغسطس، تجددت الاشتباكات بين القبيلتين بعد أن قرر والي ولاية البحر الأحمر اللواء الركن عصام الدين عبد الفراج إنهاء وجود القوات النظامية التي كانت تفرض رقابة أمنية في مناطق التماس منذ بداية الصلح منعاً لانفراط السلم الذي تم بين الطرفين.

الشواهد والصور ومقاطع الفيديو واليوتيوب تدل على أن المعارك تجددت، كما بدا واضحاً أن الحرائق طاولت المنازل التي يسكنها بنو عامر والحباب، وسط أنباء متضاربة عن وجود قتلى من الطرفين (يعرف كاتب هذه السطور صديقين من أصدقائه من قبيلة بني عامر والحباب جرى حرق منزليهما).

ويوم الخميس الماضي، وعلى إثر هذه الأحداث، وصل وفد من مجلس السيادة إلى بورتسودان ضم كلاً من الفريق شمس الدين كباشي عضو مجلس السيادة (والناطق الرسمي السابق للمجلس العسكري ورئيس اللجنة السياسية فيه) وحسن شيخ إدريس، العضو المدني في مجلس السيادة عن الإقليم الشرقي، للوقوف على الأوضاع، وجرى اجتماع بقيادات الإدارة الأهلية وزعماء القبائل من أجل تجديد الصلح.

وعلى إثر عودة عضوي مجلس السيادة إلى الخرطوم، تجددت الاشتباكات يوم الجمعة الماضي، وعلى الرغم من وجود الجيش على طول الطريق الفاصل بين الحيين، جرى حرق بيوت يسكنها بنو عامر والحباب في حي دار النعيم، وسط اتهامات البعض لأفراد من الجيش بالتواطؤ مع أبناء قبيلة النوبة (نظراً لوجود الكثير من أبناء النوبة من منسوبي الجيش)، وهذا مؤشر خطير ويدل على كارثة مؤكدة إذا ما ثبت تورط بعض أفراد الجيش في الوقوف مع النوبة.

وحتى الآن لا تزال الاشتباكات تتجدد وتوقع قتلى من الجانبين، وسط تحشيد ودعوات إلى القتال تصاحبها خطابات عنصرية وتداعيات تؤشر إلى إمكانية للتطرف بين الطرفين، يغيب معها العقل وتتحول الفتنة إلى معارك طاحنة لن يسلم منها أحد.

ما ينبغي توضيحه في هذه الفتنة الخطيرة التي تزامنت مع فرح السودان الذي عمّ كل السودانيين الأسبوع الماضي، هو أن هناك من لا يريد خيراً للسلم الأهلي في المدينة وله مصلحة في هذا الاقتتال.

وفي ظل هذه التداعيات الخطيرة التي تطال السلم الأهلي في مدينة بورتسودان عبر هذه الكارثة، ينبغي مواجهة الحقائق وتوجيه الرسائل لكل من يعينه الأمر، سواء من الحكومة المحلية لولاية البحر الأحمر، أم لأعضاء مجلس السيادة، أم للحكومة المركزية في الخرطوم التي ستتشكل نهاية هذا الأسبوع، أو لقيادة قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين، خصوصاً في الخرطوم وبورتسودان.

على الحكومة المحلية في ولاية البحر الأحمر تحمل مسؤولياتها كاملة، وأن تدفع بمزيد من القوات النظامية لمناطق الانفلات الأمني وأن يكون هناك وجود لقوات الشرطة، فقوات الشرطة هي التي يقع على عاتقها ضمان السلم في المدينة، مع قيام لجان المقاومة الثورية في الأحياء بمهام مساعدة الشرطة في استتباب الأمن.

هناك دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي بإقالة والي البحر الأحمر المكلف عصام الدين عبد الفراج، وهو عسكري برتبة لواء ركن. وما يدعو للتعجب، كيف يتفاقم الأمر نحو الكارثة بينما الوالي برتبته العسكرية وبمن هو تحت قيادته من قوات نظامية يكون عاجزاً عن اتخاذ الإجراءات الصارمة لدرء هذه الفتنة التي تتفاقم؟

وعلى مجلس السيادة، بعد أن تجددت الاشتباكات أن يوفد من أعضائه الفاعلين من تكون له القدرة على التأثير في مجريات الأمور هناك من مدنيين وعسكريين.

شخصياً، أدعو للاضطلاع بهذه المهمة الأستاذين محمد حسن التعايشي ومحمد الفكي سليمان عضوي مجلس السيادة. فالتعايشي أحد أبطال شباب ثورة ديسمبر المجيدة، لأنه شخصية وطنية غيورة على كل قطرة دم سوداني، ولديه حساسية عالية لأولويات السلم الأهلي الذي هو أحد همومه المركزية للمرحلة الانتقالية، ولأن للتعايشي قبولاً كبيراً وسط شباب الثورة، وذلك من أجل التوعية بطبيعة هذه الفتنة والتذكير بأنها فتنة تفتح باباً للارتداد على مكتسبات الثورة وإشعال نار الحرب الأهلية التي اشتعلت من قبل في دارفور.

أما محمد الفكي سليمان، فهو كذلك شاب مثقف إنساني متميز وغيور على وطنه وأحد رموز هذه الثورة المجيدة وله القدرة على التأثير، وهو بكل تأكيد لن يتوانى في تقديم الوعي والدعم والعمل على إطفاء الفتنة الأهلية الخطيرة في بورتسودان عبر التأثير والخطاب والدعوة إلى تحكيم العقل والضمير ومصلحة الوطن. كما أن لمحمد الفكي سليمان من القبول ما يجعله حريصاً على ألا تراق قطرة دم واحدة لسوداني بريء من أي قبيلة كان.

أدعو كليهما لأنهما الأقدر على مخاطبة الشباب وكل القوى والأحزاب عبر ندوات تنويرية تدفع بالمسيرات، وتعلي من شأن أحقية الانهماك بقضية السلم الأهلي والحفاظ على عصمة وحرمة الدم السوداني، إذ بغير العمل الثوري والانتفاضة والمسيرات التي تدين جذور هذه الفتنة لن يكون هناك أمان.

كما أن على قوى الحرية والتغيير مجتمعة، وبالخصوص على تجمع المهنيين السودانيين الدعوة إلى تنظيم جدول تظاهرات ومسيرات حاشدة للمواطنين في مدينة بورتسودان وتذكيرهم بأن العمل على إطفاء هذه الفتنة من خلال تنظيم التظاهرات الحاشدة لمخاطبة حكومة الولايات، وللوصول إلى مناطق التماس هو جزء أصيل من الحالة الثورية التي ينبغي أن تكون حاضرة لقطع الطريق على الفوضى والخراب وسفك الدماء.

وعلى قوى الحرية والتغيير كذلك، أن ترسل وفوداً من أبرز شخصياتها كمحمد ناجي الأصم، ووجدي صالح، وغيرهما لعقد ندوات توعية بخطورة هذه الفتنة التي تنذر بما لا تحمد عقباه على مصير شرق السودان.

وعلى تجمع المهنيين أن يدرك تماماً، أن ترك الوضع كما هو من دون تنظيم مسيرات وعقد ندوات جماهيرية للتوعية بخطورة هذه الفتنة سيكون وبالاً على المدينة، وسيعيد التذكير بالكوارث التي لا يزال يعاني منها الشعب السوداني في مناطق دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة.

ثم إن على جميع الناشطين من كل المواطنين في مدينة بورتسودان ونسيجها الأهلي، لا سيما الأحزاب والقوى السياسية وقوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين، أن يدركوا تماماً أن موقفهم من أحداث الفتنة التي وقعت بين بني عامر والحباب من ناحية، وبين النوبة في المدينة، لا يعكس وعياً حقيقياً بمعنى الثورة، وبمعنى المواطنة، فكيف بمن يعيش أجواء الثورة والحرية الحقيقية أن يتخاذل عن واجب الوطن ونداء الضمير لقطع الطريق على المجرمين والعنصريين الذين يوقدون نيران الحرب الأهلية.

ليس لأحد اليوم في المدينة أن يكون خائفاً من أي سلطة تردعه عن الخروج للتظاهر والمشاركة في إطفاء الفتنة عبر المسيرات المليونية بعد هذه الثورة العظيمة التي يعيش السودانيون ثمارها، فليخرج الجميع في المسيرات المطالبة بإطفاء نار الفتنة وإشاعة السلم الأهلي ولينتصروا لضميرهم ووطنيتهم وأخلاقهم.

وأخيراً، أدعو عقلاء بني عامر والحباب والنوبة، شيباً وشباباً، أن يدركوا أن هذه الفتنة ظلت نائمة حين عاشوا عشرات السنين بسلام ووئام في المدينة، وأن تكون لهم ثقة مطلقة بأن الفتنة بينهم ستنام إن شاء الله مرة وإلى الأبد إذا أدركوا أن من أشعلها لا يريد بهم خيراً.

وأن أصل العيش بينهم هو السلم والأمن مهما بلغت الفتن، وما زال يعصرني الأسى حين رأيت صورة نشرها على صفحته في الفيسبوك ابن أخي الشاب الثوري المستنير “الدكتور أيمن صلاح الدين إدريس” لصديق له من أبناء النوبة قُتل عشوائياً يوم الجمعة الماضي، وقد عاش معه وعرف طيبته وطيبة أخلاقه.

وقرأت كيف لعن أيمن الفتنة حين علّق في صفحته عن الصورة قائلاً، “لا بد أن ننهي هذه الفتنة حتى ولو كان الثمن أرواحنا لأن هتك النسيج الاجتماعي الذي يحدث معها لن يكون علاجه هيناً في المستقبل”، وأنا أسوّق هذا النموذج الوطني المشرف للابن أيمن صلاح الدين، لأنه أحد شباب هذه الثورة وقادتها في مدينة بورتسودان الذين اعتقلهم النظام السابق وسجنهم من أجل دفاعهم عن قيم الثورة في الحرية والعدالة والسلام، تلك القيم التي لا يريدون لها أن تكون اليوم ضحيةً جديدةً تحت سنابك الفتنة الأهلية العمياء في مدينة طالما عرف أهلها، خصوصاً بني عامر والحباب بأنهم أكثر الناس وداعة ومحبة للسلم الأهلي، لدرجة قد يساء فهمها وقد يظنها البعض طبيعةً في غير محلها لفرط محبتهم للسلم والوداعة.

إن الثورة في صميمها انحياز للعدالة التي لا تتجزأ، وكل من يفهم الثورة خارج إطار الوعي الوطني سيكون هو أول من يفرط في سلامة الوطن وأمنه، حين يتخاذل بذلك الفهم العقيم عن مسؤوليته الفردية في حماية السلم الأهلي الضامن لسلامة جميع المواطنين.

الكاتب محمد جميل أحمد

independentarabia

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق