كتابات

كاتب إماراتي يتحدث عن زيارة بومبيو إلى الخرطوم ويكتب : لا أخلاقية استمرار العقوبات على السودان

د. عبدالله جمعة الحاج
في زيارة خاطفة لأقل من 24 ساعة وصل وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية مايك بومبيو إلى الخرطوم في ما وصف بأنه سعي من واشنطن لفتح صفحة جديدة في ملف العلاقات مع السودان.
وبالتأكيد كان لدى كل من الطرفين الأميركي والسوداني تطلعاته وطموحاته من وراء الزيارة، لكن الجانب السوداني لديه تطلع مشروع ومؤكد هو رفع اسم بلاده من على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبالتالي رفع العقوبات الاقتصادية والعسكرية المفروضة عليها.
تصنيف السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب فعل قامت به مجموعة من أعضاء المجتمع الدولي عبر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1044 لسنة 1995 الذي كان نقطة البداية لتعرض الشعب السوداني للعديد من الويلات والنكبات نتيجة لذلك.
وقبل ذلك وأثناء فترات حكم أنظمة سودانية متتالية كانت علاقات السودان بالعالم الخارجي تتسم بالود والتعاون المشترك، وكانت سمعة السودان الحسنة في أوجها إلى درجة أنه كانت تتم الاستعانة به كوسيط مقبول لحل خلافات المنطقة العربية ودول أفريقيا.
لكن مع وصول «الإخوان» إلى السلطة إثر الانقلاب الذي قاده ونفذه عمر حسن البشير عام 1989، ويدعمه حسن عبدالله الترابي زعيم «الإخوان» السودانيين، انقلبت الآية وأصبحت العديد من الدول، خاصة الولايات المتحدة ودول غربية وإقليمية، تنظر إلى السودان بأنه مهدد لمصالحها في المنطقة العربية وجوارها الجغرافي والقرن الأفريقي وشرق ووسط أفريقيا نتيجة للمواقف المعادية التي بدأ نظام «الإخوان» في انتهاجها، وهي أعمال وردت حولها تقارير بأنه كان يتم دعمها وتمويلها من قبل دولتين في الإقليم هما: دولة خليجية صغيرة وإيران، وكانت كافية لجعل عدد من أعضاء المجتمع الدولي يبادر سريعاً إلى تصنيفها بأنها أعمال إرهابية وعدائية ومخلة بميثاق الأمم المتحدة وبالقانون الدولي ما استدعى تصنيف السودان بأنه دولة راعية للإرهاب.
ضمن ذلك التصنيف أصبح السودان كدولة في وضع لا يحسد عليه وليس له صوت مسموع في شؤون المجتمع الدولي، ونتج عن ذلك تدهور أوضاع الشعب السوداني وتحطم بنى السودان التحتية الاقتصادية والاجتماعية، وهي تفاعلات وتطورات لم يقد أي منها إلى إسقاط نظام حكم «الإخوان»، أو تنحي رئيسه عن السلطة أو حتى مجرد المساس ببنى النظام أو بمصالح أفراده.
كل ما حصل جراء المواقف الدولية السلبية تلك هو أنها قادت إلى المساس بعامة السودانيين، وهؤلاء لا حول لهم ولا قوة، حيث تعرضوا لتحطيم معنوياتهم والتسبب لهم في الأذى المتمثل في فقدان المواد التموينية الأساسية من غذاء ووقود ومستلزمات طبية، ومن ثم تعرضهم للجوع والمرض والحروب الأهلية المدمرة في واحدة من أكثر عمليات الضرر والتدمير المادي والمعنوي والأخلاقي والوجداني المؤدية إلى الموت البطيء لشعب بأكمله في التاريخ البشري الحديث لما بعد الحرب العالمية الثانية.
المناخ اللا أخلاقي من وجهة النظر الإنسانية لعملية التدمير والقتل التي تعرض لها الشعب السوداني خلال الفترة التي حكم فيها «الإخوان» البلاد، والتي تسببت في تعرض السودان للعقوبات التي فرضتها مجموعة الدول المعنية، وصنفته كدولة راعية للإرهاب تمت بشكل منهجي ومتعمد، وتم صقلها على يد تلك المجموعة، وهي طريقة مليئة بالمكونات التي أدت إلى الإضرار بهوية وشخصية شعب بأكمله ليس له علاقة بدعم الإرهاب أو بممارسات النظام الشمولي القائم آنذاك.
وتحت المسمى الجديد الذي ألصق بوطن بأكمله، أصبح الشعب السوداني كله معاقباً بلا رحمة وبقسوة شديدة عبر المدة التي استمرت لربع قرن أو نيف.
من المهم في هذه المرحلة بعد سقوط نظام حكم «الإخوان» البائد النظر إلى إطار عمل الأخلاق الدولية – خاصة الصورة الأخلاقية والوجدانية للدول الفارضة والمنفذة للعقوبات بشكل مجحف بأنه إطار عمل غير أخلاقي وضع في مراحل سابقة لكي يضر بالشعب السوداني وليس بالنظام الحاكم البائد – ويجب إزالته دون تردد.
لذلك فأنا أتساءل ما إذا كانت الدول الفارضة للعقوبات تتبنى ما يمكن وصفه بأنه الوضع الذي لا مناص منه من الموقف الأخلاقي غير المبرر الذي هو ليس بأكثر من مجرد سياسات واقعية تكتيكية خادمة للمصلحة الذاتية؟ وإلا ما معنى القول إن العقوبات ستُرفع عن السودان بمجرد قيامه بدفع تعويضات مالية مقدارها 335 مليون دولار لأسر ضحايا الإرهاب الذي رعاه النظام الحاكم البائد؟
*كاتب إماراتي
صحيفة الاتحاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *