كتابات

بابكر فيصل يكتب : وحدة السودان وفصل الدين عن الدولة

منذ أن تم توقيع اتفاق إعلان المبادئ بين الحكومة الانتقالية والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو في شهر مارس الماضي، شنت جماعات الإسلام السياسي حملة عنيفة على الأطراف الموقعة باعتبار أن الإعلان قد نص على فصل الدين عن الدولة.

وقد بدا جليا أن فصل الدين عن الدولة بالنسبة لتلك الجماعات التي شنت حملة مضادة لإعلان المبادئ اشتملت على الفتاوى والبيانات وخُطب الجمعة والندوات، يعني أمراً واحداً هو إلغاء العقوبات الحدية الذي تم تضمينها في القانون الجنائي.

ظلت جميع تيارات الإسلام السياسي تطالب بضرورة تطبيق نظام العقوبات الإسلامي الذي يتضمن ما يعرف بالحدود الشرعية باعتباره نظاما إلهيا لا يمكن استبداله بالنظم الوضعية للعقوبات، بل إن تلك التيارات وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، قد اختصرت دعوتها لتطبيق الشريعة الإسلامية فقط في تضمين تلك الحدود داخل منظومة القوانين الجنائية.

قد كان الشعار الذي ابتزت به جماعة الإخوان مختلف الحكومات والأحزاب السياسية يقول: “شريعة سريعة أو نموت، الإسلام قبل القوت”، أي أنهم مستعدون للتضحية بأرواحهم إذا لم يتم تطبيق الشريعة فورا فأمر الدين عندهم أهم من الأكل والشرب، وبالطبع لم تك تلك الشريعة تعني بالنسبة لهم شيئاً سوى إدراج الحدود ضمن القانون الجنائي.

غنيٌ عن القول إن الشعار أعلاه يعكس مغالطة بائنة ونفاق صريح، ذلك لأن القوت هو الكفيل بالحفاظ على حياة الإنسان الذي هو مناط الشريعة التي نزلت في الأصل لخدمته وهدايته وتحقيق وحفظ مصالحه المعتبرة على هذه الأرض، ولم يُخلق الإنسان من أجل خدمة الشريعة، فالإنسان خلق أولاً، ثم جاء الدين ليُرشدهُ ويهديه إن أراد وإلا فعليه أن يتقبل مصيره يوم القيامة.

في تجربة حكم الإخوان التي استمرت منذ يونيو 1989 وحتى أبريل 2019 تم إدراج العقوبات الحدية في القانون الجنائي منذ عام 1991، وقد شملت عقوبات الجلد والرجم والبتر والقتل عن جرائم شرب الخمر والزنا والسرقة والحرابة والردة، وعند بدء العمل بذلك القانون قال قادة الجماعة إن الخطوة تمثل عودة الإسلام الصحيح الذي ظل مغيبا طيلة عهود الحكم الوطني الذي أعقب خروج المستعمر البريطاني عام 1956.

لم يجرؤ الإخوان على تطبيق العقوبات التي تشتمل على البتر والرجم والقتل في جرائم الزنا والسرقة والردة، واكتفوا طيلة فترة حكمهم بتطبيق عقوبة الجلد على شاربي الخمر، وبالطبع لا نستطيع تفسير امتناعهم عن تطبيق تلك العقوبات بعدم وقوع جرائم تستوجب تطبيقها طوال ثلاثين عاما، كذلك لا يمكننا الاستناد على الزعم بأن أحوال البلد لم تكن مهيأة لتطبيق تلك العقوبات، وبالتالي يكون المبرر الوحيد المقبول هو استبشاعهم لتطبيق تلك العقوبات وما يمكن أن تجرَّه عليهم من مشاكل خصوصا مع المجتمع الدولي.

يبدو جليا أن القائمين على أمر تلك القوانين كانوا يدركون أن تطبيق عقوبة الجلد وحدها سيجد استنكارا داخليا إضافة لردود الفعل التي قد تقوم بها بعض الدول وجماعات حقوق الإنسان، ولكن بالطبع ستكون ردة فعل تلك الجهات على عقوبات الرجم والبتر والقتل أكبر بكثير من الجلد، لذا آثروا التوقف عن تطبيقها واكتفوا بوضعها في القانون شكليا.

من ناحية أخرى، قد يقول قائل إن عدم تطبيق الحدود الشرعية لسنوات طويلة لا يبرر الدعوة لعدم العمل بها، وهنا يطرأ سؤال في غاية الأهمية حول جدوى العمل بنظام للعقوبات لا يتم تطبيقه لعشرات السنين؟ فالمعلوم أن القوانين ونظم العقوبات توضع لتُطبَّق وليس العكس، فإذا كانت غير قابلة للتطبيق لفترات زمنية طويلة لأية سبب من الأسباب فذلك يعتبر دليل قصور فيها وليس مؤشرا لجدواها وضرورتها.

إذا اتفقنا أن دافع الامتناع عن تطبيق تلك العقوبات هو استبشاعها والخوف من ردة الفعل على تطبيقها، فإن ذلك ينسف الادعاء الأساسي الذي تنبني عليه دعوة جماعات الإسلام السياسي لتطبيق الحدود الشرعية، وهو قدسية تلك العقوبات باعتبارها أوامر إلهية واجبة التنفيذ ولا يمكن تعطيلها لأي سبب، وبهذا تتحول الحدود لمجرد قضية سياسية (دنيوية) قابلة للأخذ والرد شأنها شأن القوانين الأخرى.

مع ذلك، لم تتورع الجماعة عن التفريط في وحدة البلاد عندما اشترط المفاوضون الجنوبيون وضع مطلب تقرير المصير لجنوب السودان في حال أصرار الحكومة على تطبيق الشريعة والحدود، وهو الأمر الذي أدى في خاتمة المطاف لانفصال ذلك الجزء من البلد وتكوين دولته المستقلة في عام 2011. وقد تكرر ذات الموقف مرة أخرى خلال مفاوضات الحكومة الانتقالية مع الحركة الشعبية بقيادة الحلو التي طالبت بتقرير المصير لجبال النوبة والنيل الأزرق إذا لم يتم إقرار فصل الدين عن الدولة.

عقب توقيع إعلان المبادئ بين الحكومة والحركة الشعبية، أعلنت حركة “تضامن من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية” التي يتزعمها الأستاذ المحبوب عبد السلام، وهو عضو قيادي سابق بجماعة الإخوان المسلمين وكان من أكثر المقربين لزعيمها الراحل حسن الترابي، دعمها الكامل للإعلان باعتباره خطوة مهمة في سبيل الحفاظ على وحدة البلاد ومنع وقوع انفصال جديد.

في إطار حديثه حول مفهوم تجديد الفكر الإسلامي يقول الأستاذ المحبوب (هل الأحكام الواردة في القرآن الكريم هي أحكام نهائية؟ أم أنها أحكام محكومة بالسياق؟ ولماذا تلجأ التجارب الإسلامية المعاصرة إلى تكثيف التحوطات حتى لا تُطبّق حَداً؟ فواقع الأمر أنه لم يتم تطبيق أي حد في السودان طيلة حكم الإنقاذ “يعني حكم الإخوان” وكذلك في دولة إيران. فعلى سبيل المثال، السارق في إيران يُذهب به إلى مدرسة تربية باعتباره يعاني من خلل تربوي، وهذه الفكرة حديثة جداً ولا علاقة لها بفكرة السرقة الحدّية. لذا فالآيات المتعلقة بالأحكام كلها ظرفية جاءت في سياق معيَّن وينبغي أن نقرن كل آيات القرآن بالسياق الذي نزلت فيه، هذا هو التجديد الذي أفهمه للفكر الإسلامي المعاصر، وهذه التساؤلات هي التي انتهت بي إلى أن الدولة الحديثة مضادة للمفاهيم التي أسستها مؤسسة الفقه منذ القرن الرابع الهجري، وإذا أردنا بناء دولة حديثة علينا أن نتحرر من مؤسسة الفقه التقليدية).

يحاول دعاة الإخوان تصوير قضية فصل الدين عن الدولة (أي عدم تضمين الحدود في القانون) وكأنها تعني نهاية الإسلام في السودان، ويعملون على إثارة وتهييج عواطف البسطاء من الناس حول الخطر المزعوم الذي يتهدد الدين، وهذا بالطبع عمل سياسي لا علاقة له بالإسلام، بل تهدف الجماعة من وراءه للعودة إلى كراسي السلطة والحكم.

قال مفتي جمهورية مصر العربية السابق، الدكتور علي جمعة، في حديث على فضائية “سي بي سي” إنه: (لمدة نحو ألف سنة لم تقم الحدود في بلد مثل مصر)، وهو الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل أدى عدم تطبيق الحدود لعشرة قرون إلى زوال الإسلام عن أرض الكنانة، بلد الأزهر الشريف؟

لا خوف على الإسلام في السودان على الإطلاق، فهو موجود في قلوب الناس وأفئدتهم وستظل المساجد والخلاوي عامرة بقراءة القرآن وذكر الله، وسيستمر أهل البلد في تجسيد قيم الدين في معاملاتهم بإعانة الضعيف وسند المحتاج وغوث الملهوف ودفع الصدقات والعيش بتسامح وسلمية مع أهل الأديان الأخرى وغير ذلك من القيم الجميلة التي ظلت تعبر عن إسلام أهل السودان منذ مئات السنين.

قناة الحرة الامريكية

تعليق واحد

  1. مناقشات عميقة للعلمانية وتطبيقاتها عالميا وعدم مناسبتها
    للدول المسلمة بالأدلة الفكرية العلمية وحصاد الواقع الراهن
    بقلم الدكتور المكاشفي عثمان دفع الله القاضي
    دكتوراه الإدارة والتخطيط التربوي – باحث سوداني
    كثير من المفكرين والسياسيين بالدول المسلمة يقعون فريسة الاستلاب الحضاري والتبعية الفكرية والسياسية للغرب ، وبعض منهم يتبني النهج العلماني عمالة للغرب و قبض الثمن من مال و حماية و دعم إعلامي وسياسي و أحيانا عسكري والسبب أن الفريقين المستلبين فكريا كما يقول العلامة ابن خلدون المغلوب مولع بتقليد الغالب و منهزم نفسيا وفكريا وحضاريا ، و فريق قابضي الثمن تجدهم يخدمون المشروع ( الغربي – الأمريكي – الصهيوني ) في المنطقة وهو مشروع تفكيكي ينفذ بهدوء وعلى مدى طويل لإضعاف الدول المسلمة كما وصل إليه الحال في المرحلة الراهنة وهذا ما صرحت به مستشارة الأمن القومي الأمريكي السابقة كوندليزا رايس ايجاد شرق أوسط جديد ببث الفوضي الخلاقة ( إثارة الحروب بالدول المسلمة والنزاعات والقتل والتهجير وتدمير الاقتصاد إلخ …. ) حتى تتم السيطرة والتحكم والتوجيه وتكون الدولة المركزية فيه ( كيان الاحتلال الإسرائيلي) الذي يخدم مصالح الغرب الامبريالي .
    ولذلك أقدم لكل الفريقين وللمثقفين على امتداد الأمة الإسلامية والعالم أدلة علمية ( فكرية وتاريخية وسياسية ) من واقع المفكرين الغربيين أنفسهم على عدم صلاحية العلمانية للدول و المجتمعات الأخرى غير الغربية وعلى رأسها الدول المسلمة لأسباب : أولا : العلمانية بالعالم الغربي ليست واحدة وتختلف باختلاف التجربة التاريخية المحلية لتلك الدول وتطورها .
    ثانيا : الإسلام يختلف عن المسيحية التي أوصلت الدول الغربية للعلمانية ، بينما يختلف الإسلام جذريا عنها ولا يقود إلى نتيجة تطبيق العلمانية .
    ثالثا : أثبتت الدراسات وأعمال المفكرين بالغرب وأمريكا إلى تنامي دور الدين في كل مجتمعات العالم بما فيها الدول العلمانية نفسها كما سيأتي و أهميته للحياة الإنسانية .
    و لذلك على العلمانيين في الدول المسلمة الحاكمين وغير الحاكمين مراجعة أنفسهم والعودة لأصولهم وحضارتهم و استقلالية مجتمعاتهم و الاطلاع على الفكر الإسلامي وتراثنا الثقافي الغني ( لأن من جهل شيئا عاداه ) واستخلاص ما يناسب الأصل والعصر ودمجه مع التكنولوجيا الحديثة للنهضة بأمتنا وتواصلها الحضاري العالمي ودورها الريادي الإنساني .
    وعدم السباحة ضد غالبية الشعب المسلم وممارسة دكتاتورية فرض العلمانية ولنضرب مثلا بوطننا السودان غالبية الشعب السوداني مسلم بما لايقل عن 95% و أقلية مسيحية يضمن لها الإسلام كامل حريتها في عقيدتها وتشريعاتها في أحوالهم الخاصة بهم و يضمن لهم التعايش السلمي و يشاركون في بناء وطنهم ونهضته وينالون كامل حقوقهم ويقومون بواجباتهم .
    أما أن تأتي أحزاب أقلية من اتجاهات اليسار أو اللبرالية الجديدة وغالب قياداتها جاءت من الغرب لتفرض مشروعه العلماني وتنفذ مخططه و مشروعه في الشرق الأوسط فهؤلاء سيفشلون في ذلك في خضم مقاومة كثرة الشعب المسلم وتدينه الفطري واستعداده التام للتضحية ، وستجد ” الجالية العلمانية ” بالسودان نفسها في عزلة وتنتهي إلى السقوط ، و حتى لو أجريت انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة سيصوت غالبية الشعب لمن يحترم دينه وشريعته و أخلاقه مع تنوع صور التدين من طرق صوفية و أنصار المهدي و السلفيين و التبليغ والدعوة و الاتجاهات الإسلامية الأخرى وبقية الشعب يقف مع إسلامه لا يتنازل عنه فتفسد دنياه و يخسر أخرته ، والدليل العملي الانتخابات الديمقراطية التي أجريت منذ استقلال السودان وحتى الآن لم تفز فيها بالأغلبية إلا الأحزاب الوطنية التي أعلنت في برامجها احترام الإسلام منهاجا للحياة والحكم ، وهذا ينسحب على بقية الدول المماثلة كذلك .
    مقدمات نظرية لدراسة الدين في الأزمنة الحديثة :
    قام بها : غريس ديفي و هانيرش شيفر
    تحتاج الظواهر الدينية في عالم اليوم إلى أدوات نظرية تساعدنا على فهم الأشكال المتعددة التي تتلبس بلبوسها في زمان ما بعد الحداثة ، وهذه الأدوات والوسائل ينبغي ألا تتلاءم و الأديان ذاتها ، بل يجب أن بشمل التلاؤم الطرائق المختلفة التي يسلكها الدين في السياقات الاجتماعية و السياسية ( في المجال العالمي )، خاصة في الظروف الاقتصادية الكبيرة ، والواقع أن الدين هو جزء وعامل فاعل في عمليات العولمة ، كما أنه جزء وعامل فاعل كذلك في الحركات الاجتماعية والسياسية التي استجدت في ظل المواقف المعاصرة ، والدين يمكن أن يشكل حاجزا في وجه العولمة جالبا إلى حيز الوعي وجوه فهم جديدة للهوية والانتماء ، وخاصة لدى أولئك الذين يشعرون بالتهديد من عواصف التغيير الشامل لذلك فليس من المستغرب أن تتشكل اتجاهات جديدة في الأديان في سائر الأوقات ، وبين البنى التقليدية و الأخرى الواقعة خارجها ، وبعض هذه الأشكال عابرة للحدود و القوميات مثل اليد الطولى للكاثلوليكية عبر العالم و الاتجاهات الإنجيلية الجديدة )، بينما هناك أشكال أخرى محلية ومتقوقعة ومتجهة إلى الداخل ( مثل الصيغ المختلفة للأصولية ) ، وكلا التوجهين يجد تعبيرات في المجال السياسي ، كما في مجال الحياة الدينية .
    ومن هنا تأتي التعقيدات الإحصائية التي تعرض أرقاما عن الصعود الديني ، وتعرض من ناحية أخرى احصائيات عن تقدم العلمانية ، وهناك صيغ و أشكال من التوليفات مثل الميل الجارف إلى الفردية وفي الوقت نفسه تزايد التأكيد على تضامن الجماعة ، بذلك فالموقف شديد التغيير والتقلب : الإيمان والتطبيق أو العمل يتقدمان ، كما يتسع في الحياة الاجتماعية .
    الأمر الذي يزداد وضوحا أن النموذج الأوربي العلماني للتعامل مع الدين لا يمكن اعتباره نموذجا عالميا : فالحقيقة أن أوروبا ( من حيث حياتها الدينية ) تبدو بشكل متزايد بوصفها حالة استثنائية و إن صعبت الموافقة على ذلك ، فالمرجو النظر إلى السوق الدينية المزدهرة بالولايات المتحدة الأمريكية ، بخلاف ما هو سائد في أوروبا حتى الآن ، وقد تكون الظاهرة الأكثر دلالة تلك الوجوه الدينية المتغيرة لأمريكا اللاتينية ، و لأفريقيا ما وراء الصحراء ، وهما الناحيتان اللتان تشكلان المركز الديموغرافي المتنامي للمسيحية حيث نجد نموهائل في المسيحية والتبشير في العقود الأخيرة وبخاصة الإنجيليون الجدد ، وإذا مضينا شرقا وجدنا الفلبين مسيحية كاثلوكية ونجد كوريا الجنوبية تمسحت و في ذات الوقت حققت ثورتها الصناعية صانعة بذلك نموذجا مناقضا للحالة الأوربية ، وتضاف إلى ذلك هذه المؤشرات في العالم الإسلامي أي مؤشرات الصعود الديني على اختلاف المظاهر والبيئات ، والإحياء الديني في شبه القارة الهندية ( حتى لا نقول : الصعود الأيديولوجي ) ، والموقف المتوتر والخطير الذي يتكشف في الشرق الأوسط ، واستنتاج بيتر برغر ( 1992م ) أن العالم ينقلب دينيا إلى حد لم يبلغه من قبل أبدا – كل تلك الظواهر والإدراكات تحيلنا على جديد كثير من الناحية الدينية ، ما عاد إنكاره ممكنا ، إن ” العالم الذي يتحول دينيا إلى حد لم يبلغه من قبل “يحتاج على أي حال إلى أشكال جديدة من الفهم ، ومرجعيات مختلفة إذا كنا نريد أن نستوعب ما يحدث ونريد التقدم هنا ببعض المرشدات أو التمهيدات النظرية التي يمكن أن تعين على المضي في الاتجاه الجديد .
    العلمانية مقولة أدت دورا بارزا في السياق الأوروبي ، والمشكلة هنا تكمن في القياس على الوضع الأوروبي وتعميمه على أجزاء أخرى من العالم ، وقد كان ذلك الفصل بين الدين والحياة سببا في ابعاد الدين عن مجال الفهم و الإفهام والتفاوض في العلاقات الوطنية الداخلية و في العلاقات الدولية وكان السائد اللجوء إلى القومية أو الإثنية في فهم الظواهر حتى وقت قريب ولكن بدأ الدين يستخدم في التحليل في العقود الثلاثة الأخيرة في كافة المجالات من جانب الأكاديميين وصناع القرار السياسي ، وبالتالي الكثير من متعلقات العلمنة لم يعد صحيحا .
    الأدوات النظرية (1 ) : النظرية العلمانية :
    سادت هذه الرؤية الدراسات ( السوسيولوجية و العامة ) عن الدين في العالم الحديث ، أو على الأقل سادت تلك الدراسات في العالم الغربي ، وعرفت بالأطروحة العلمانية وهي تقول : إن الانفكاك عن الدين لصالح العلمنة الذي أحدثته العصرانية الأوروبية سوف يتحول إلى ظاهرة عالمية مع تقدم الحداثة في العالم و نجد أن المؤرخين والسوسيولوجين الأكثر حماسا للعلمنة الأوروبية وضعوا حدودا وضوابطا لتطبيق نظرية العلمنة من بينها أن تلك الحالة خاصة بالمجتمعات المتقدمة التي تسودها ديمقراطيات مسيجية بيد أن هذه الفكرة جرى تناسيها في أكثر الأحيان ، النقطة الأولى أن هذه المقولة تتلاءم بشكل واضح مع الوضع الأوروبي ، وفي الوقت نفسه ظهرت صيغ تفكيرية مختلفة تتحدى النظام القديم السائد ، فالتنوير الأوربي وخاصة الفرنسي قدم للإنسان نموذجا علمانيا غير ديني بحيث تحل الدولة والمدرسة وبوعي محل الدين ( الكنيسة )بسبب ن الصراع بين الدولة والكنيسة ساد المشهد الفرنسي منذ الثورة الفرنسية وحتى أواسط القرن العشرين ولذلك تأثيراته ما تزال جارية وحاضرة والنموذج الأقرب لها تلك المشكلة غير المفهومة إلا في السياق التاريخي الفرنسي التي يثيرها حول حجاب الفتيات المسلمات في المدارس الرسمية ، وبالتالي لا يصلح لبقية دول العالم .
    العلمانية مقولة أدت دورا بارزا في السياق الأوروبي ، والمشكلة هنا تكمن في القياس على الوضع الأوروبي وتعميمه على أجزاء أخرى من العالم ، وقد كان ذلك الفصل بين الدين والحياة سببا في ابعاد الدين عن مجال الفهم و الإفهام والتفاوض في العلاقات الوطنية الداخلية و في العلاقات الدولية وكان السائد اللجوء إلى القومية أو الإثنية في فهم الظواهر حتى وقت قريب ولكن بدأ الدين يستخدم في التحليل في العقود الثلاثة الأخيرة في كافة المجالات من جانب الأكاديميين وصناع القرار السياسي ، وبالتالي الكثير من متعلقات العلمنة لم يعد صحيحا .
    الأدوات النظرية (2 ) : نظرية الاختيار العقلاني :
    إذا كانت المقولة العلمانية صالحة لتفسير ظاهرة الحداثة وعلاقتها السلبية بالدين في الإطار الأوروبي فإن الصالح للتفسير المناقض في الإطار الأمريكي أي ازدهار الدين في قلب الحداثة أو إلى جانبها ، إنما يرجع إلى كثرة العرض وليس إلى توافر الحاجة والطلب ،هناك النظرية المرتبطة باسمي رودني ستارك ووليام باينبرج والتي تذهب إلى أن الطلب على الدين والحاجة إليه إنما هو جزء من إنسانية الإنسان ، وهكذا فإن التعددية الدينية تدفع إلى تحديد العروض وتنويعها و إثرائها ، وبذلك فإن مقولة الخيار العقلاني بالنسبة للأمريكيين تقوم بالوظيفة نفسها التي تقوم بها مقولة العلمانية لدى الأوروبيين ،ولذلك فإن التاريخ الأمريكي ما آثر دينا معينا أو مذهبا معينا بالاحتضان والنصرة ، و قد شجع ذلك تعددية الخيارات و إعلاناتها ، كما شجع المبشرين بتلك الأديان والمذاهب على التلاؤم مع الحداثة لكي يكونوا مقبولين وناجحين وهذه مقولة الخيار العقلاني الحر مع ملاحظة أنه ليس مفيدا أيضا استخدام الرؤية الأمريكية في النواحي الأفريقية و الآسيوية التي يزدهر فيها انبعاث ديني قوي لاختلاف الظروف والسياقات.
    الأدوات النظرية (3 ) : حداثات متعددة : كيف نستطيع أن نفهم هذا الانبعاث أو هذه الإحيائيات الدينية المختلفة الأشكال في سائر أنحاء العالم ؟ يمكن أن نستخدم النموذج النظري الذي تحدث عنه صامويل ايزنشتات تحت اسم ” الحداثات المتعددة “فلنفهم هذا النموذج الإبداعي أو المتجدد:
    يعني مصطلح ” الحداثات المتعددة ” أو الطرق المتعددة للحداثة أن العالم المعاصر يملك خصائص وخصوصيات مختلفة عما هو سائد في الأفكار والرؤى والخطابات والمقولات السائدة ، يتجه هذا المصطلح ضد النظريات الكلاسيكية للحداثة وضد رؤى الاجماع حول الطبائع العالمية للمجتمعات والمجتمعات الصناعية منها على وجه الخصوص ، وتتجه الرؤية الجديدة ضد التحليلات السوسيولوجية الكلاسيكية لكارل ماركس و دوركهايم وحتى لماكس فيبر ( في إحدى القراءات له ) والتي قالت – و إن بأشكال غير واضحة – إن الشروط التي سادت في الحداثة الصناعية الأوروبية ستسود في سائر أنحاء العالم مع الانتشار من طريقي الاستعمار والسوق ، ولذلك فإن ايزنشتات ينكر أن المجتمعات الصناعية متشابهة أو أنه من الضروري أن تصبح المجتمعات صناعية لكي تصبح حديثة ، كما ينكر أن تكون تطورات المجتمع الأوروبي هي الشروط الضرورية للتقدم العالمي أو الإنساني ، فكيف يمكن فهم تطورات العالم ؟ بحسب أيزنشتات فإنه لكي نفهم العالم المعاصر لابد أن ننظر إلى تطوراته بوصفها تكوينات مستمرة لبرامج ثقافية ضخمة ومتنوعة ، والفكرة الثانية التي تنجم الفكرة الأولى أن التكوين و إعادة التكوين المستمرين ، هما نتاج عمليات معقدة من المقابلات بين الأفراد والجماعات ، وهؤلاء جميعا يتشاركون في إيجاد و إعادة تكوين البني المتغيرة لكن في سياقات اقتصادية واجتماعية وثقافية مختلفة وهذه هي الإشكالية الحقيقية في كتابات ايزنشتات ومقولاته : إن رفض الفهم الأوحد للحداثة لصالح فهم تعددي وهو بحد ذاته ظاهرة من ظواهر العصرنة ومقتضياتها.
    وبحسب ايزنشتات أن الاختلاف والتعدد هو من بين عمليات الحداثة ، بل إنه صار هو الحداثة ذاتها ، وفي فهم ايزنشتات لمتغيرات الحداثة في شأن الدولة ، فالعولمة من وجهة نظره وبكل أشكالها غيرت من الدولة الوطنية والقومية أو العصرية من كل النواحي : المؤسساتية والرمزية و الأيدولوجية والثورية ، فرغم الوسائل التكنولوجية المعاصرة والتي تساعد على الضبط والسيطرة ، ما عاد ذلك ممكنا على مستوى الأفراد والجماعات والدليل على ذلك ظهور حركات البيئة و جهات المجتمع المدني والتي تتخطى الحدود والمحليات في الكثير من الأحيان ، رغم معارضة الدول القوية لها ، ومن بين الحركات الحديثة والعصرية الحركات الدينية التي تسمى أصولية وهي تسلك مسلك الأخرين من حيث الأهداف أو استعمال التكنولوجيا إنهم يعملون على إعادة تكوين الحداثة أو إعادة تعريفها ، لكن بحسب مفاهيمهم الخاصة ، إن الذي ينبثق من عمل ايزنشتات أنه ما يزال هناك مكان للديني وللحركات الدينية في التفسيرات الجديدة والمختلفة للحداثة ، لقد ذكرت نيلوفر غول أن الحركات الدينية ( وتقصد بها الحركات الإسلامية المعاصرة ) تتخذ لنفسها وظيفة التصحيح و إعادة التصحيح وهذه العمليات من بين مفاهيم الحداثة وعملياتها ، وبذلك فإن الحداثة لا تصبح مقبولة أو مرفوضة بل إنه تجري ملاءمتها بطريقة إبداعية وخلاقة .
    الأدوات النظرية (4 ) : النظريات المتمركزة حول الفاعلين :
    إن نظرية ايزنشتات حول ” الحداثات المتعددة ” تعني التركيز على المختلف والمتعدد والخصوصيات ومن المفيد أيضا التركيز على الفاعلين أنفسهم في عمليات التغيير ، ومن ذلك
    مثلا كيف نفهم الإسلام المعاصر و ظواهره في اندونيسيا ؟ هل نفهمه فيه ، لكن نستطيع السؤال : هل هو ضروري لكي يكون الإسلام إسلاما أن تكون العناصر العربية قوية فيه ؟ الأمر معقد لكن الظاهر لأول وهلة أن الإسلام الإندونيسي هو إسلام إندونيسي ( أو آسيوي ؟ ) في الوقت نفسه ، فما نعنيه أن الاعتراف بالدين بوصفه وحدة أو هوية لا يعني أنها بنية مقفلة ، فهناك عوامل تكوينية أو فاعلة في تلك الوحدات والبنى مثل الدول والجماعات و الأفراد ، بل بشكل مثير أحيانا المجالات الحضارية ، والتي قد تتآلف أو تتناقص أو تختلف وتتعدد .
    لم تعد الدولة الوطنية هي المنفردة بالسلطة في المجال الديني ، كما أن الحركات الدينية لا يمكن فهمها في سياقات علاقة الدين بالدولة فقط لقد كانت الجماعات الدينية دائما فعالة بما يتجاوز حدود الدول والمجتمعات الوطنية أو الخاصة.
    إن الأديان ممارسات اجتماعية تتخذ مما فوق الإنساني مرجعية لها لكي يفهم المتدينون بها أنفسهم ومصائرهم بطرائق أفضل وهكذا فهي تقدم معرفة ودوافع عاطفية ، وتستطيع دائما صنع الدافع المحلي أو الشامل والعالمي للأفكار والممارسات فهي منتجة لهويات وصانعة لجماعات ومجالات ونشاطات ، وفي الوقت الذي تتخلى فيه الدولة الوطنية عن بعض المجالات ، فإن الفاعلين الاجتماعيين الآخرين ومن بينهم المندفعون دينيا يستطيعون الحلول محلها ، ومع سواد قضية ” الرأي العام ” في الديمقراطيات الغربية وخارجها ، فإن الحركات الدينية تجد منفذا جديدا للتأثير في المجالين الرمزي والسياسي بسبب حضورها القوي في أجزاء من ” الرأي العام ” وقدرة قادتها على الحشد في الانتخابات .
    ومن خلال طرح ما سبق نستنتج ثلاث نقاط :
    النقطة الأولى : أن النموذج الأوروبي لعلاقة الدين بالدولة والدين بالحداثة هو استثناء وليس قاعدة ، ولكنه أحد نماذج الحداثة التي تتعدد في القرنين العشرين والحادي والعشرين .
    النقطة الثانية : النموذج الحداثي الأوروبي الذي يربط بين الحداثة والعلمنة يعطي فهما للطبيعة العلمانية لأوروبا و أن هذه الخصوصية تكمن في أوروبا نفسها وليس في الدين ، إذ ليس هناك بالتأكيد تنافر بين الدين والحداثة بأي معنى من المعاني .
    النقطة الثالثة :
    يمكن لك أن تكون حداثيا وعصريا و أنت تنقد الحداثة باسم الدين ، كما يمكن أن تكون حديثا وعصريا و أنت تنتقد الدين باسم الحداثة الدين يستمر فاعلا ومؤثرا ويزداد تأثيره في القرن الحادي والعشرين .
    العلمانية ثمارها خبيثة في عالمنا الإسلامي من محاربة الإسلام وانتهاك حقوق الأفراد والجماعات والمجتمعات وحرمانهم من التمتع بأقدس ما يؤمنون به دينهم الإسلامي عقيدة وشريعة و ترتب على ذلك إفساد وتحلل أخلاقي لعدم التزام حدود الله في الحلال والحرام بدعوى العلمانية مع تخلف الدولة وفشلها ، القسمة غير العادلة للثروة والسلطة بتحكم أقلية العلمانيين واقصاء أغلبية الشعب المسلم وبحماية الدول الغربية مدعية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لهذه الطغم الحاكمة العلمانية الفاسدة وهناك مثال ترامب بقوله المشهور عالميا ( مرحبا بدكتاتوري المفضل !!! ) و دعم الأنظمة الحاكمة الفاسدة بكل أدوات التعذيب والدفاع عنها في المحافل الدولية عند انتهاكاتها الفاضحة للديمقراطية وحقوق الإنسان مع فظاعة الجرائم
    و أخص بالنصح الحكومة الانتقالية بوطننا السودان لتجنب مزالق العلمانية وتأجيج الصراع لأن ” الجالية العلمانية ” لن تستطيع التغلب على الغالبية الساحقة من الشعب السوداني الذي أسقط الحكومة التي قبلهم عندما حاولت فرض أيدلوجيتها ولن تقبل لوكلاء الخارج بفرض مشروع العلمانية غريب الوجه واليد واللسان عليها ، المطلوب مشروع وطني يقوم بجانب منه علماء مختصين في الشريعة والقانون والفقه الدستوري ويصيغون نظام حياة مبني على الإسلام المعتدل الوسطي الذي يرتضيه الجميع والحفاظ على حقوق غير المسلمين بعدالة تامة .
    واستفدت كثيرا مما جاء في مجلة التسامح – العدد 13 – السنة الرابعة 2006م – سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ، وهي مجلة فكرية رائدة تشكر على مجهوداتها الرائعة .
    ونسأل الله أن يصلح أمتنا الإسلامية ووحدتها والحفاظ على استقلالها وكرامتها ويحقق تطورها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock