كتابات

الاتفاق الذي أنقذ السودان

د. أميرة محمد عبدالحليم
عاش السودان منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حالة من الخوف والقلق حول مستقبل الاستقرار في هذه الدولة التي لم يتمكن شعبها بعد من قطف ثمار ثورته المجيدة، وسط العثرات والانتكاسات التي أفرزتها الخلافات وتراجع التوافق بين طرفي المعادلة السياسية.

جاء الاتفاق السياسي الذي وقعه كل من رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، ورئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان في 21 من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ليفتح الطريق أمام مسار جديد لتقريب وجهات النظر بين المكون المدني والمكون العسكري، مما يسمح باستكمال الفترة الانتقالية والوصول إلى انتخابات ديمقراطية حرة في يوليو 2023 تؤدي إلى إرساء مؤسسات حكم دائمة.

فقد دفعت المظاهرات التي عبرت عن إصرار الشعب السوداني على تحقيق طموحاته التي رسمتها ثورة ديسمبر 2018، ورفضه انفراد أي من مكوني السلطة بالحكم، فضلاً عن الجهود المكوكية التي بذلتها أطراف خارجية مختلفة والضغوط الدولية التي هددت بعودة السودان إلى عزلته السابقة ومنع المساعدات وفرض العقوبات عليه؛ شركاء الحكم إلى محاولة الوصول إلى توافق وتقديم تنازلات لمنع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية جديدة، ووقع طرفا السلطة اتفاقاً سياسياً جديداً عاد على إثره عبدالله حمدوك إلى منصبه كرئيس للحكومة مرة أخرى، وأكد رئيسا مجلس السيادة ومجلس الوزراء خلال كلمتيهما ضمن فاعليات توقيع الاتفاق السياسي الجديد أن تقديم التنازلات والوصول إلى التوافق هدف إلى حقن دماء السودانيين، والإصرار على استكمال المرحلة الانتقالية دون إقصاء لأحد، إلى حين الوصول إلى انتخابات حرة في يوليو/تموز 2023، مع ضرورة العمل على استكمال بناء مؤسسات الحكم الانتقالي (المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية) والإفراج عن جميع المعتقلين.

وتضمن الاتفاق السياسي عدداً من البنود التي تستند إلى الوثيقة الدستورية التي توصل إليها طرفا المعادلة السياسية في عام 2019، ومن أهم هذه البنود الإفراج عن كافة المعتقلين، وانتقال السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة في الموعد المحدد، والتحقيق في الأحداث التي شهدتها المظاهرات ومعاقبة الجناة، وقامت السلطات السودانية بالإفراج عن عدد من النشطاء المدنيين الذين اعتقلوا بعد 25 أكتوبر/تشرين الأول.

ردود الفعل على الاتفاق

إلا أن الاتفاق السياسي الجديد وعلى الرغم من الترحيب الإقليمي والدولي به لم يحظ بقبول من كافة أجنحة المكون المدني، وخاصة الحاضنة السياسية لحكومة حمدوك المقالة الممثلة في «تحالف قوى الحرية والتغيير» والتي نددت بالاتفاق واعتبرته «محاولة لتجميل وإضفاء الشرعية» على الإجراءات الاستثنائية التي تبناها الفريق عبدالفتاح البرهان منذ 25 أكتوبر الماضي، وسارع المجلس المركزي لتحالف الحرية والتغيير إلى إصدار بيان أكد فيه رفضه للتفاوض مع مجلس السيادة ودعا إلى الاحتجاجات السلمية، واندلعت احتجاجات شملت معظم المدن السودانية، كما استقال 12 وزيراً من حكومة حمدوك من أصل 17 مطالبين بحكم مدني ورافضين للاتفاق مع الجيش.

ووفقاً لهذه التطورات، ربما يمثل الاتفاق السياسي الجديد فرصة يتم خلالها اختبار قدرة المكون العسكري ورئيس الوزراء حمدوك على الوصول إلى توافق مع الأجنحة الأخرى للمكون المدني، والتي تصر على إخراج المكون العسكري من المشهد السياسي في المرحلة الراهنة، دون الأخذ بالاعتبار العديد من الأبعاد أهمها رفض العديد من القوى الدولية والإقليمية لهذا التوجه وتأكيد الكثير منها على أهمية الشراكة بين المكونين (العسكري والمدني)، بالإضافة إلى الخلافات والانقسامات التي تعانيها الحركة الاحتجاجية والتي تؤثر في أدائها ولا توفر الزخم المطلوب لتأكيد المطالب السياسية. هذا فضلاً عن التهديدات الأمنية الداخلية سواء المرتبطة بالإرهاب أو الخلافات القبلية في دارفور، أو شرق السودان، وكذلك المواجهات على الحدود مع القوات الإثيوبية.

محاولات للطمأنة

كما يبدو أن رئيس الوزراء عبدالله حمدوك يتطلع إلى جذب مزيد من الداعمين لسياساته، والتي تهدف إلى معالجة قضايا الانتقال التي أكد على أنها تمثل تحديات كبيرة تواجه الواقع السياسي في السودان. ويعتبر أن الاتفاق السياسي كان ضرورة فرضها الخوف على البلاد من الانزلاق إلى حرب أهلية ولحماية المكتسبات التي تحققت خلال العامين الماضيين، بكسر العزلة الدولية عن السودان وإزالة اسمه من قائمة الإرهاب وإعادة اندماجه في الاقتصاد الدولي.

وعلى الجانب الآخر، لابد أن يعمل رئيس الوزراء حمدوك بالتعاون مع المكون العسكري على طمأنة الشارع السوداني، ودون وصاية من مجلس السيادة، من خلال الإفراج عن كافة المعتقلين، وكذلك تنفيذ وعود محاسبة المتورطين في قتل المتظاهرين الذين بلغ عددهم في الشهر الأخير 40 ضحية، فقد رحب فالكر بيتريس المبعوث الأممي للسودان بالإفراج عن عدد من المعتقلين ولكنه أكد أن تنفيذ الاتفاق السياسي الجديد يرتبط بالإفراج عن جميع المعتقلين.

وربما يكون القرار الذي استهل به حمدوك مهام عمله والذي تضمن إعفاء مدير عام قوات الشرطة خالد مهدي ونائبه يصب في هذا الاتجاه، هذا فضلاً عن تهدئة القوى المدنية التي تخشى من انفراد مجلس السيادة الجديد بالحكم وخاصة بعد إقدامه على تعيين رئيس للقضاء من دون التشاور مع حمدوك.

وفي الأخير، يظل المشهد السوداني يحمل العديد من السيناريوهات في ظل استمرار آلية الاحتجاج وعدم قبول العديد من القوى المدنية للإجراءات التي يتبناها مجلسا السيادة والوزراء، وربما تعمل الخطوات القادمة للمجلسين والتي تثبت حسن النوايا وكذلك الوساطات الداخلية والخارجية التي تتوافق مع مطالب الشارع السوداني، على حلحلة الأزمة واستكمال المرحلة الانتقالية والوصول بالسودان إلى بر الأمان.

*خبيرة في الشؤون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

المصدر
صحيفة الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock