كتابات

عثمان ميرغني يكتب : يا شباب.. بصراحة ماذا تريدون؟

الثورة الشعبية في السودان صنعها الشباب، هذا لا يحتاج إلى دليل.. يصبح السؤال المركزي الموجه لكل شابة وشاب سوداني.. ماذا تريد؟ وبصورة أدق، هل تريد (ترقيع) الأوضاع السائدة في السودان، أم تأسيس دولة حديثة؟
حسناً؛ الذي يحدث الآن هو مجرد (ترقيع) لإنتاج سودان قديم بجلباب جديد.. اجترار للذكرى وتجارب الماضي لصناعة واقع بألوان جديدة.. فهل هذا ما يريده الشباب الذين دفعوا دماء 90 شهيداً وآلاف المصابين وأضعافهم من المعتقلين والمفصولين والمشردين من أعمالهم.
صناعة المستقبل تبدأ بـ(الرؤية)، لا ممارسة يوميات لاستنساخ الماضي.. ماهي (رؤية) السودان بعد 11 أبريل 2019؟ هل نبحث عن دولة تلعق الجراح وتداوي الأزمات وتعيش حالة كفاف مفروضة عليها فرضاً بفعل فاعل تقديره الخيال القاصر والاعتداد بالماضي أكثر من الانطلاق نحو المستقبل؟
وبصراحة أكثر.. عبارة (تسقط بس) هل كان مقصوداً بها البشير وزمرته أم سقوط نظام سياسي كامل، بعقليته ومنهجه؟ وإذا سقط النظام فهل هو مجرد سقوط من أجل السقوط أم لبناء نظام (جديد!!)..
هذه الأسئلة مهمة للغاية لإخراجنا من الدوامة السياسية التي نعانيها الآن.
في تقديري، الذي سقط حالة الفشل المزمن في صناعة وطن متحضر مستقر.. فإن كانت بلادنا حتى هذه اللحظة تبحث عن دستور، بل ومجرد (إعلان دستوري) فهذا يعني عملياً أننا ومنذ خروج المستعمر لم ننعم بـ(دستور) رغم تقلُّب العهود السياسية المدنية والعسكرية.. فلماذا لا نؤسس (الرؤية) على فكرة (بناء دولة حديثة) لا مجرد حكم انتقالي ينقل البوصلة من نظام ديكتاتوري مخلوع إلى نظام جديد يقوم كلياً على (ترقيع) ماهو كائن.
(بناء دولة حديثة) يعني أن نبدأ بتفكير خارج المسلمات التي تعودنا عليها.. فلسنا بحاجة لتكرار تجارب 1953 ولا 1964 ولا 1985 وكأنه كُتب علينا اجترار التاريخ بمنتهى الاستسلام للماضي.
(بناء دولة حديثة) يعني أن نؤسس أركان ومفاهيم الحكم بما وصلت إليه المعارف والتجارب الإنسانية، نبدأ من حيث انتهى العالم.. تماماً مثل ما يفعل أي شاب سوداني عندما يشتري جهاز (موبايل).. فهو يحصل على الموديل ذاته الذي يشتريه شاب أمريكي في نيويورك بعد ساعة واحدة من تدشينه.. عالم اليوم لم يعد يعترف بالحدود، ويستطيع طالب سوداني بجامعة الخرطوم أن يقرأ المراجع ذاتها التي يحصل عليها زميله الأمريكي في جامعة هارفارد.. فهذا عالم اليوم!!
طالما هي ثورة شباب، فيجدر أن تبني وطناً جديداً يليق بالمستقبل الذي يبحث عنه هؤلاء الشباب.. لا نريد حكومة لتعالج مشكلة المياه والكهرباء والخبز والدواء.. بل حكومة تصمم إستراتيجية بناء الدولة الحديثة تماماً كما في كل دول العالم المتحضر، وتطوي هذه الأزمات في سياق انطلاقة نحو المستقبل لا في برنامج (الترقيع) لأزمات الحاضر.
اختاروا إما بناء دولة حديثة.. أو ترقيع أثواب دولة قديمة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق