كتابات

عثمان ميرغني يكتب : عودة (المقاول) .. وصفة قديمة..!!

حديث المدينة – صحيفة التيار
أمس الأول.. لقاءٌ جماهيريٌّ بمنطقة “قري” شمال الخرطوم خاطبه الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”، نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي.. ثم نهار أمس بقاعة الصداقة بالخرطوم لقاءٌ مع قيادات الإدارات الأهلية.. وغالبا سيستمر مسلسل اللقاءات المفتوحة مع فعاليات وحشود ربما في مختلف ولايات السودان.. فيصبح السؤال.. ماذا يريد المجلس العسكري؟

هذه السياسة مجرَّبة في عهود سابقة، وأكثر من أدمنها حتى آخر رمق في نظام حكمه، المخلوع البشير، الذي كان ينوي أن ينهي أيامه في الحكم بمسيرة جماهيرية يوم الخميس 11 أبريل 2019، وتشاء إرادة الله أن يستبدلها بـ”مارشات” عسكرية عبر الإذاعة والتلفزيون لتكون “لحن الختام”..

مثل هذه الحشود الجماهيرية هي وصفة دائما ينصح بها مقاولون محترفون في صناعة (مناظر جماهيرية) تماما مثل تلك المظاهرات السينمائية التي تظهر في الأفلام.. ويقصد بها إقناع القادة بجماهيرية مصطنعة.. ويَذكُر الناس الحشد الذي صنعه (مقاولو الحشود) في الساحة الخضراء للمخلوع البشير وتحدَّث فيه قيادات سياسية من الأحزاب المتحالفة مع المؤتمر الوطني.. وكان الشعب كله يضحك ويسخر منها لأنه يعلم أن (جماهير) مسيرة الساحة الخضراء إما موظفو الدولة الذين أُجبِروا بقهر السلطة على أداء (التمام) في الساحة الخضراء، أو منسوبو القوات النظامية -بلباس مدني- ينفِّذون تعليماتٍ لا مناص من إطاعتها.. وربما يكون المخلوع نفسه يعلم ذلك، لكنها في كل الأحوال وصفة (تريح الأعصاب) وتمنح لحظة استرخاء كاذبة تنسيه لبعض الوقت صور المظاهرات الجماهيرية الحقيقية التي انطلقت تغطِّي كل السودان ولعدة أشهر متتابعة.

ويدهشني للغاية كيف يخطئ المجلس العسكري في العنوان.. كان بجواره وأمام مقر وزارة الدفاع جماهير حقيقية لا تحتاج إلى (مقاول) لحشدها.. جماهير صادقة وواعية ولا مطلب لها سوى الكرامة والحرية والعدالة.. ولو عوَّل المجلس العسكري عليها لكفته شر الوقوع في براثن مرتزقي المسيرات المصنوعة.

في ساحة الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش السوداني اجتمع كل الضمير السوداني الحي، شبابٌ من مختلف الأعراق والثقافات والقبائل والأديان وحتى اللغات، انصهروا في وجدان واحد (صافٍ كالدينار)، لو التمس المجلس العسكري الطريق إلى قلوبهم لوَجَده معبَّدًا لا يحتاج سوى تلبية رغبتهم في حكمٍ مدنيٍّ مستقر تحت سماء دولة القانون والعدالة..

على كل حال؛ لا يزال ممكنا تصحيح المسار، أن يلتزم المجلس العسكري بتفويضه المحدود بتسليم الحكم مدنيا إلى الشعب السوداني الذي أعطى ولم يستبق شيئا في انتظار لحظة الميلاد الجديد.. ميلاد فجر دولة السودان الحديثة.. دولةٍ أنموذجٍ يستحقها أهل السودان.

عثمان ميرغني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق