كتابات

عبدالعزيز المقالح يكتب: السودان إلى أين؟

د. عبدالعزيز المقالح
وحده الله تعالى يعلم إلى أين تمضى الأقطار العربية المبتلاة بالانقلابات والحروب والصراعات الطائفية، وما السودان سوى أحد هذه الأقطار التى تسير نحو المجهول بكل احتمالاته السيئة.

ومنذ حصل السودان على استقلاله عام 1956م حتى الآن شهد عشرات الانقلابات، وكل واحد منها يأتى معلنًا ثورته على مَن كان قبله، ثم ينتظر دوره حين تأتى ثورة أو بالأصح انقلاب يطيح به.

وسوف يستمر هذا هو حال السودان والأقطار العربية المماثلة له فى أوضاعه وانقلاباته المتكررة، إن لم يتداركها الحظ جميعًا وتهتدِ إلى الطريق المستقيم، طريق التداول السلمى للسلطة بعيدًا عن العنف وتدمير الإمكانات المؤهِّلة للتطور وبناء الحياة الجديدة.

الفارق بين أقطارنا الانقلابية والأقطار الحديثة فى أوروبا وغير أوروبا كبير، وهى أن هذه الأقطار تأخذ بمبدأ التداول السلمى للسلطة، وأقطارنا لا تؤمن بهذا المبدأ ولا تحاول الأخذ به. ومن هنا سيظل الفارق يكبر ويتسع، وتلك تصعد وهذه تهبط. وكل محاولة لترقيع حلول أو انتظار معجزة مصيرها الفشل. وهو ما ينتظر السودان الشقيق، الذى تعددت فيه الانقلابات وأنهكت كيان الشعب ومزقت وحدته الوطنية والجغرافيا. وحبَّذا لو اهتدى مَن بيدهم مقاليد الحكم الجدد إلى الحل الذى لا حل غيره، واقتنعوا بأن التداول السلمى للسلطة هو أعظم هدية وأنبل ثورة يقدمونها لشعبهم ببلد النهرين العظيمين: النيل الأبيض والنيل الأزرق، بلد سلة الغذاء العربى المهدور.

هل آن لتلك الجماهير الغفيرة التى تجوب شوارع الخرطوم وشوارع مدن سودانية أخرى أن ترفع شعار التداول السلمى للسلطة وأن تدرك أهميته، ومدى ما سوف يحققه من حضور إيجابى فى الحياة السياسية، وما سوف يعكسه من الاستقرار ومن نجاحات عالية على أكثر من صعيد؟. ونحن ندرى أن المشكلة تكمن فى أن الجماهير المطالبة بالتغيير تجهل أهمية التداول السلمى للسلطة وتبقى دعوتها إلى التغيير غامضة غير واضحة الملامح.

وهنا يبدو تقصير المثقفين وقصور وعيهم، وما يفرضه على بعضهم الانتماء الحزبى من انصياع إلى المطالب المحدودة فى إطار شعارات الحزب وتطلعاته الضيقة.

إن السودان، الذى جرّب أكثر الانقلابات العسكرية وشهد أكثرها دموية، هو الجدير بأن يقدم التجربة الناجحة، تجربة الخلاص من الانقلابات والخلاص من آثارها السلبية والمدمرة، وفى إمكان ضباط الانقلاب، بوصفهم الطليعة الشعبية الممسكة بزمام الأمور حاليًا، أن يكونوا استثناء سودانيًا وعربيًا، وأن تبدأ بهم وبفضلهم مرحلة التداول السلمى للسلطة بكل ما تبشر به من وعود بالاستقرار والبناء، فهل ينصتون إلى هذا النداء ويقدمون لشعبهم وبقية الأقطار العربية التى أسلمت نفسها لمتاهة لا أول لها ولا آخر؟، ويمكن القول إن التجارب المتعددة تلك التى خاضها الوطن العربى لم تكن نتيجة اختيارات واعية ومدروسة، وإنما عشوائية، وفى أغلبها تقليد لتجارب فاشلة لا تنتمى إلى العصر الحديث، ولا تعبر عن التطلعات الجادة للمواطن العربى، الذى طال انتظاره للتغيير الحقيقى.

نقلًا عن صحيفة «الخليج»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق