مال واعمال

استمرار أزمة السيولة بالسودان على الرغم من إجراءات البنك المركزي وتفاقم معاناة المواطنين

العربي الجديد / ما زالت صفوف المواطنين السودانيين تخترق الشوارع الرئيسية أمام آلات الصرافة والبنوك لصرف ودائعهم، رغم الإجراءات التي أعلنت عنها الحكومة لحل أزمة السيولة، ومنها وعود بالبدء في ضخ فئات نقدية جديدة وصرف الرواتب إلكترونياً.

ولكن فوجئت الأسواق بتراجع البنك المركزي عن طرح فئة الـ100 جنيه (الدولار = 47.5 جنيهاً) في المصارف، والذي كان مقرراً بداية الشهر الجاري، مع الاكتفاء بصرفها مع رواتب الموظفين بمقار عملهم بدلاً من الدفع الإلكتروني.

وقال مصدر في بنك السودان المركزي لـ”العربي الجديد” إن البنك لم يتراجع عن ضخ العملة الجديدة “المائة جنيه”، ولكنه تمهل في القرار وصولاً إلى اكتمال طباعة الفئتين الإضافيتين “المائتين والخمسمائة جنيه” وطرحها خلال الفترة المقبلة تفادياً لما حدث في السابق عندما تم سحب 40 مليار جنيه فئة الخمسين جنيهاً التي طبعت حديثاً.

وتابع المصدر، الذي رفض ذكر اسمه: سوف يطرح البنك المركزي الفئات الثلاث في وقت واحد وبكميات كبيرة لن تؤثر عليها عمليات السحوبات مهما كانت، مرجعاً ذلك إلى ضمان استمرارية عمل البنوك والإيداع والسحب من قبل الجمهور.

وتعد أزمة السيولة أحد أبرز الأسباب التي ساهمت في اندلاع احتجاجات شعبية ساخطة في العاصمة الخرطوم والعديد من المدن وسط تفاقم الأوضاع المعيشية للمواطنين.

ومن جانبه، قال مدير أحد البنوك، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ”العربي الجديد”: “ما زالت البنوك متوقفة تماماً عن العمل في كل وحداتها الداخلية، ما عدا عمل المقاصة الإلكترونية فقط دون إيداع أو سحب”. وأضاف “حتى تعاملنا مع البنك المركزي معطّل بسبب عدم الإيداع وتوقف عمليات الاستثمار بصورة عامة داخل البنوك”، وأردف “حتى رواتب الموظفين أصبحنا نعاني لتوفيرها”.

تحذيرات البشير

وتزامناً مع تراجع البنك المركزي عن تعهداته السابقة واستمرار أزمة السيولة، وجه الرئيس السوداني عمر البشير اتهامات إلى المصارف بالتعامل بصيغ “ربوية”، واتباع نظام غربي علماني في إدارة الأموال، على حد وصفه. كذلك اتهم مديري مصارف بمقاومة وإفشال تجربة التمويل الأصغر، وتحويل الأموال المخصصة له إلى دولارات والمتاجرة بها في السوق السوداء.

وذكر البشير، خلال خطابه في لقاء حول التمويل الأصغر بمدينة الأبيض (غرب)، يوم الأحد الماضي، أن “المرابحات في البنوك السودانية نتائجها أسوأ من أي نظام ربوي موجود”.

وأضاف أنه بمراجعة أداء المصارف وتركيزها على صيغة المرابحات، وجدنا أن التعامل بسعر الفائدة لا يتعدى ما بين 2 و3 بالمائة، إلا أنه في المرابحة لدى البنوك يصل إلى 15 بالمائة، مضيفاً “أعطوني أي نظام ربوي في العالم يأخذ أرباحاً 15 بالمائة”.

وقال إنه سيجري لقاء مع مجالس الرقابة الشرعية في المصارف لبحث عدم اللجوء إلى المرابحات في المعاملات والصيغ الإسلامية المطبقة إلا عند الضرورة وتطبيق صيغ أخرى.

صرف الرواتب نقداً

ووصف خبراء اقتصاد حديث البشير في هذا التوقيت بأنه يشير إلى فقدان الحكومة ثقتها بأداء الجهاز المصرفي لمقابلة احتياجات العملاء وتوظيف الأموال في غير صالحها.

وقال الخبير الاقتصادي آدم الزين لـ”العربي الجديد” إن المشكلة تتركز في توجيه البنك المركزي المؤسسات الحكومية بصرف رواتبها عبر وحداتها المختصة، متوقعاً أن تشهد الفترة المقبلة تغييرات وإعفاءات لعدد من مديري البنوك في البلاد.

إلا أن الاقتصادي عثمان البدري يرى خلال حديثه لـ”العربي الجديد” أن صرف مرتبات العاملين عبر الوحدات الحكومية من دون المصارف أدخل شعوراً بالارتياح في نفوس العاملين، إذ لا حاجة لهم في الانتظام في صفوف البنك لساعات، وحتى بعد الانتظار قد لا يتمكن من سحب ما طلب من ودائعه تحت الطلب والحسابات الجارية.

وفي المقابل أكد الخبير الاقتصادي الفاتح عثمان لـ”العربي الجديد” أنه رغم طباعة البنك المركزي 99 مليار جنيه من فئة “المائة جنيه” إلا أنه يتخوف من تكرار التجربة السابقة، والتي قضت بسحب كل ما قام بطباعته من فئة “الخمسين جنيهاً”.

ويرى أن الحديث ما زال مبكراً عن مسألة توفر السيولة بالمصارف، لأن البنك المركزي لم يضخ تلك الفئات الجديدة إلا عبر المؤسسات الحكومية لصرف الرواتب فقط وتوقع الإيفاء بكل المبالغ في البنوك في غضون شهر من الفئات المقررة طباعتها.

وسبق أن أعلن محافظ بنك السودان المركزي محمد خير الزبير أن الفئة الجديدة ستطرح بكميات كافية في بداية شهر فبراير/ شباط الجاري لمقابلة احتياجات العملاء في البنوك، تمهيداً لحل أزمة السيولة التي استمرت منذ الأول من يناير/ كانون الثاني من العام الماضي.

استمرار الأزمة

ورغم أن البنك المركزي بدأ منذ أكثر من شهرين التحرك في اتجاه حل أزمة السيولة عبر العديد من الإجراءات التي أعلن عنها، إلا أن أوساطاً اقتصادية تشكك في جدية هذه الخطوات.

وقال الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ”العربي الجديد” إن صرف رواتب العاملين عبر مؤسساتهم يثير علامة استفهام كبرى، تؤكد فقدان الثقة بالجهاز المصرفي، مضيفاً: يجب أن تكون الدولة على قدر التحدي فيما تعلن عنه.

وشرح أن ضخ الفئات الجديدة مهما كان حجمها لن يحل مشكلة السيولة ما لم تُفعل الدولة مبادرة إيداع بالتنسيق مع القطاع الخاص والانتقال إلى عمليات الدفع الإلكتروني بشكل إلزامي لكل مؤسسات الدولة.

وأشار الناير إلى وجود بعض الموظفين حتى الآن لم يصرفوا رواتبهم، برغم تحويلها لمؤسساتهم من أجل صرفها نقدا.

وكان مجلس الوزراء قد أصدر قراراً بإلزام كل المؤسسات الحكومية بتحويل مرتبات العاملين بها إلى حساباتهم في البنوك بدلا عن صرفها من خزينة مؤسساتهم بداية من العام الجديد، إلا أن بنك السودان المركزي وجّه تعميماً لكل المؤسسات الحكومية بإعداد كشوفاتها لصرف رواتب العاملين بها نقداً عبر وحداتهم.

وتعهد رئيس الوزراء معتز موسى، في تصريحات سابقة، بحل مشكلة السيولة خلال العشرة أيام الأولى من شهر فبراير/ شباط الحالي، لكنه لم يحدد الكيفية التي يمكن أن تتبعها الجهات المختصة لتوفير السيولة بشكل نهائي.

ولفت إلى أهمية تفعيل خدمات الدفع الإلكتروني في المعاملات الرسمية “الحكومية” إلى جانب القطاع الخاص والمتاجر الصغيرة بتوفير ماكينات الدفع الإلكتروني بكل المتاجر الصغيرة في الأحياء السكنية إضافة للمولات الكبيرة والأسواق الحرة.

وأكد أن جميع المصارف تعهدت بتوفير أجهزة الدفع الإلكتروني مجاناً، وهذا ما لم تلتزم به الحكومة، بدليل صرفها رواتب العاملين نقداً بمؤسساتهم.

عزوف عن الإيداع

يتفق محللو اقتصاد على أن حل أزمة السيولة بشكل نهائي يستلزم أولاً عودة المواطنين إلى الإيداع في البنوك رغم صعوبة الأمر، خاصة في ظل الظروف الحالية، إذ إن استعادة ثقة العملاء بالقطاع المصرفي عملية ليست سهلة بعد اهتزازها، متوقعين أن تأخذ العملية وقتاً طويلاً حتى تعود المصارف إلى طبيعتها.

وأدت بعض القرارات الحكومية إلى إحجام المواطنين عن الإيداع، منها تقليل سقف السحب عبر الصرافة الآلية بألا يتجاوز “20” ألف جنيه في الشهر، مع استمرار البنوك في صرف مبالغ زهيدة للمودعين وبعد طول انتظار.

وحسب تقديرات اقتصادية فإن حاجة المواطنين من السيولة في الظروف العادية تبلغ حوالي 10% من حجم الودائع الكلية المقدر بحوالي أربعين مليار جنيه من جملة الودائع البالغة 400 مليار جنيه.

ولكن بسبب قرار من بنك السودان قيّد سحب الأموال من المصارف للتحكم في حجم السيولة لتقليل سرعة انهيار الجنيه، تحولت كافة تعاملات المواطنين مع المصارف للسحب فقط من دون إيداع، ورغم تراجع المركزي عن سياسته إلا أن المصارف التجارية وحتى البنك المركزي أصبحت غير قادرة على الوفاء بمتطلبات المودعين.

ويقلل الخبير الاقتصادي، عبد الله الرمادي، في حديثه لـ”العربي الجديد” من جدوى الإجراءات الحكومية الأخيرة من أجل حل أزمة السيولة.

ويؤكد الرمادي أن قرار حجب السيولة عن المودعين كان لأسباب “غير موضوعية” ولا علاقة لها بالاقتصاد، موضحاً أن الحكومة لن تستطع حل الأزمة إن نظرت إليها بمعزل عن مجمل المشكلة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، وعلى رأسها ارتفاع التضخم وتراجع قيمة الجنيه. وقال إن المعالجة ينبغي أن تركز على الداء وليس على الأعراض المصاحبة له.

ووصلت معدلات التضخم في السودان إلى مستويات قياسية، وقال الجهاز المركزي للإحصاء، في بيان له في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إن معدلات التضخم بلغت 68.93% في نوفمبر/ تشرين الثاني على أساس سنوي، مقابل 68.44% على أساس سنوي في أكتوبر/ تشرين الأول.

وأشار إلى أن أكثر السلع التي أثرت على التضخم كانت اللحوم والبصل والزيوت والألبان. ولفت جهاز الإحصاء إلى أن ولاية “البحر الأحمر” (شرق) سجلت أعلى معدل للتضخم بين ولايات السودان الـ 18، إذ سجلت 98.24% مقابل 97.86% في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق