السودان اليومالسودان عاجل

جريدة لندنية : تفكك الجبهة الثورية يضعف آمال السلام في السودان

مسار دارفور يواجه عقبات انقسام قادة الحركات المسلحة مجددا بعد انسحاب حركة جيش تحرير السودان من “الجبهة الثورية” السودانية.

العرب اللندنية – انشق فصيل رئيسي في “الجبهة الثورية” السودانية عن التحالف الذي يضم 9 حركات مسلحة تفاوض الحكومة السودانية، لتحقيق السلام في البلاد بعد إعلان حركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي انسحابها من الجبهة. ومن شأن هذه الخطوة أن تضعف جهود السلام في البلد بإرباكها مسار دارفور وستصعب التوافق على الملف الأكثر حساسية، وسط التعثر الذي تواجهه المفاوضات في جوبا مع حكومة الخرطوم.

الخرطوم – واصلت وساطة جنوب السودان، الجمعة، جس نبض قيادات الجبهة الثورية حول آلية مفاوضات السلام عقب انسحاب حركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي من الجبهة أخيرا، والتي تضم في عضويتها تنظيمات سياسية وحركات مسلحة، وتريد جوبا تحاشي تأثير الخروج سلبيا على التوصل إلى سلام نهائي قبل العشرين من يونيو المقبل.

وكان من المقرر بدء المفاوضات بين الجبهة الثورية والحكومة الانتقالية حول القضايا القومية، من الثلاثاء حتى الجمعة، غير أنه جرى الإرجاء لحين اتضاح الرؤية بشأن الشكل النهائي للجبهة، لأن مناوي كان يحتل منصبا قياديا فيها، ومناقشة استمرار المباحثات في مسار دارفور المنقسم على نفسه، ما يضاعف من صعوبات التوافق حول الملف الأكثر حساسية.

ويضم مسار دارفور حركة العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان – المجلس الانتقالي، وتجمع قوى تحرير السودان، وحركة جيش تحرير السودان – جناح مناوي قبل انسحابها من الجبهة الثورية، وحركة جيش تحرير السودان – جناح عبدالواحد نور الذي لم ينخرط في المفاوضات من الأساس ويرفض الاعتراف بها.

وأرسل مناوي خطاباً إلى وساطة جنوب السودان قبل أيام، أشار فيه إلى أن الجبهة لم تعد موحدة وأنه يقود أحد أقسامها، وهو ما رفضته ثمانية تنظيمات داخل الجبهة الثورية، واعتبرت أنها باقية موحدة بقيادة رئيسها المنتخب الهادي إدريس يحيى، وليس هناك جبهة ثورية أخرى، واعتمدت انسحاب جناح مناوي، مؤكدة أن الحركة “فقدت عضويتها في الجبهة باختيارها”.

ويرى مراقبون أن تفكك الجبهة يهدد الوصول إلى سلام شامل ينهي حالة الاحتراب، وأن التوقيع على أي اتفاقيات في ظل حالة التشرذم الحالية بين الحركات المنتشرة في عدد من أقاليم الهامش لن يؤدي إلى الهدف الأساسي المترتب عليها، والأمر بحاجة إلى تدخل المجتمع الدولي بشكل أكبر حسماً لحلحلة المفاوضات التي تراوح مكانها منذ أشهر.

وقال الناطق الرسمي باسم الجبهة الثورية، أسامة سعيد، إن الحركات والتنظيمات المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية ماضية في طريق السلام، وعازمة على إجراء إصلاحات داخلية تؤسس لمرحلة ما بعد العودة إلى الداخل، وشهدت الأيام الماضية اجتماعات مع لجنة الوساطة للتعامل مع الجبهة دون الفصيل التاسع المنسحب، وجرى الأمر ذاته على مستوى تحالف نداء السودان، وتحالف قوى الحرية والتغيير.

وأضاف لـ”العرب”، أن المجلس القيادي للجبهة الثورية اتفق على ضرورة تسريع عملية السلام باعتبارها صمام أمان للعملية السياسية في السودان، وأن المفاوضات لن تتأثر بانسحاب مناوي، لأن حركته لم تكن منخرطة في المفاوضات بشكل كامل، وتعمدت وضع العراقيل والمشكلات أمام مسار دارفور، بما يعني أنها لم تكن راغبة في السلام من الأساس.

وتفاوض الجبهة الثورية في خمسة مسارات، وتوصلت إلى اتفاق سلام مع الحكومة في مسارات شرق وشمال ووسط السودان، فيما بقيت قضايا مساري دارفور والمنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) رهن التفاوض.

وأوضح سعيد أن مسار دارفور قطع شوطاً كبيراً في المفاوضات، ولم تتبقّ سوى مناقشة القضايا القومية بشأن المشاركة في السلطة والترتيبات الأمنية، وإذا قرّر مناوي الاستمرار في المفاوضات فإن الجبهة سوف ترحب بالأمر، وإذا كان له رأي آخر فهو راجع إليه.

يتضمّن انسحاب حركة مناوي قبل نحو شهر من الموعد المحدد بالوصول إلى سلام نهائي دلالات عدة، ويبرهن على وجود اختراقات من قبل قوى خارجية تسعى لتسيير مسار السلام وفقاً لرؤيتها، لأن الكثير من مناطق الهامش كانت حقلا لتحركاتها، وحاولت استغلال الفراغ السياسي وانتشار السلاح هناك لتحقيق أهدافها، وتحاول تلك القوى الحصول على أكبر قدر من المكاسب، وليس من مصلحتها استقرار الأوضاع هناك.

وتقدمت حركة مناوي بخطة لإصلاح الجبهة الثورية “لمنع انزلاقها إلى أتون المعارك الأيديولوجية وتلطيخ سمعة القوى المسلحة، وأن هناك قوى مسلحة لها علاقات مشبوهة بالتطرف وتضر بقضية أهل دارفور وعموم القضية السودانية، علاوة على وجود استغلال أيديولوجي لمسار دارفور وتحويله إلى حصان طروادة لقوى أخرى تتحين الفرص لتقويض ما يمكن أن تصل إليه من سلام واستقرار”.

وفُسرت اتهامات مناوي على أنها موجهة إلى حركة العدل والمساواة التي تحدثت تقارير عدة عن علاقتها بقطر، وحظيت الدوحة بحضور قوي في إقليم دارفور بموافقة نظام الرئيس السابق عمر البشير الذي دعم تواجدها في الإقليم المضطرب، ورعت اتفاقاً هشاً للسلام.

ونفت حركة العدل والمساواة، برئاسة جبريل إبراهيم، التقارير التي أشارت إلى ضلوعها في القتال بجانب جماعة “بوكو حرام” ضد القوات التشادية، وذكرت أن ما يجري تداوله ليس سوى “ترهات وبهتان منسوج من وحي الخيال”.

ووصف الناطق باسم الجبهة الثورية في تصريح لـ”العرب”، حديث الاستغلال الأيديولوجي للمفاوضات بأنه “يرمي إلى البحث عن أسباب مقنعة للرأي العام دون أن يقدم براهين على اتهاماته بما يؤمّن خروجه من الجبهة بشكل منطقي، والجبهة الثورية تنتمي إلى كيانات سياسية أوسع وليست لها علاقة بالتنظيمات الإرهابية، والهدف الأساسي يكمن في بناء السودان”.

وحسب دوائر مراقبة، فإن انقسام الجبهة الثورية التي شكلت جسماً صلباً في المفاوضات على مدار ثمانية أشهر، يعد فشلاً للنخب السودانية التي أدمنت التشرذم، ولم تتمكن من تحقيق أهداف الثورة التي أضحت على المحك بفعل خلافات تعصف بكل من تحالف الحرية والتغيير، وتجمع المهنيين، وطالت الحكومة الانتقالية أيضاً، في ظل الجري وراء محاصصات مناطقية والفوز بمكاسب سياسية ضيقة.

وأكدت الدوائر ذاتها، على أن الخلافات بين حركة مناوي وحركة العدل والمساواة سوف تكون لها آثار سلبية، لأن الطرفين يتواجدان في نفس المناطق تقريباً ولدى كليهما حضور قوي في عدة مناطق مشتركة في إقليم دارفور، وهو ما آثار غضب البعض من الذين نظروا إلى خطوة الانسحاب على أنها تكريس لانفصال النخب وقادة الحركات عن الواقع.

وقال المحلل السياسي السوداني، الفاتح وديدي، إن قرارات الحركات المسلحة بمختلف اتجاهاتها مختطفة لصالح أصابع خارجية تعبث بملف السلام، وبالتالي سوف يظل السودان يعاني من نفس المشكلات القديمة المرتبطة بعلاقة نخب المركز بالهامش، لأن الوصول إلى سلام حال جرى التوافق على الملفات العالقة سيكون “سلام نخب” وتعظيما لمكاسب كل حركة على أرض الواقع بعيداً عن أصحاب المصلحة الحقيقيين، وهم الشريحة الواسعة من المواطنين.

وذكر لـ”العرب” أن انسحاب مناوي يستهدف الحصول على المزيد من المزايا السياسية على الأرض، لأن الفصيل الآخر من الحركة، بقيادة عبدالواحد نور، ما زال يرفض الانخراط في عملية التفاوض، وهو ما تسبب في إطالة فترة المفاوضات.

ويضعف تفكك الجبهة الثورية آمال السودانيين في الوصول إلى سلام شامل، ووسط التعثر الذي تواجهه المفاوضات في جوبا مع حكومة الخرطوم سيكون من الصعب الحديث عن أفق إيجابي لإنهاء الحروب الجانبية قريبا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *