السودان اليومالسودان عاجل

جريدة لندنية : هواجس من تكرار تجربتي البشير والنميري في توظيف الدين خدمة للسياسة

العرب اللندنية – مطالبات جزء مهم من التيار المدني في السودان بتبني العلمانية وعدم الاكتفاء فقط بالتنصيص على مدنية الدولة نابع من هواجس تلازم السودانيين من إعادة أخطاء الماضي وترك ثغرات ينفذ منها الإسلاميون، لاسيما وأن تجربتي البشير وجعفر نميري المريرة في تطبيق حدود الشريعة لا تزال ماثلة في الأذهان.

لا تنفك النّخب السياسية والحركات المسلحة في السودان عن إثارة مسألة الهوية، ويصر جزء منها على ضرورة حسم العلاقة الملتبسة بين الدين والدولة، في ظل مخاوف متصاعدة من حدوث انتكاسات وارتدادات قد تعصف بما تحقق منذ إسقاط منظومة الرئيس عمر حسن البشير في أبريل من العام 2019.

ولم تبدد الوثيقة الدستورية التي تشكّلت على قاعدتها السلطة الانتقالية هواجس جزء عريض  من السودانيين لاسيما من التيار المدني حيال المسألة الهوياتية، رغم أن الوثيقة شددت على أن “السودان جمهورية مستقلة، ذات سيادة، مدنية، ديمقراطية، تعددية، لا مركزية، تقوم فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة دون تمييز بسبب الدين والعرق والنوع والوضع الاجتماعي”.

وفي محاولة لتطمين المتوجسين أقرت الحكومة الانتقالية جملة من التعديلات القانونية، كإلغاء مادة الردة المثيرة للجدل، وعدم تعريض شاربي الخمر من غير المسلمين لأيّ عقوبات، ومنح المرأة الحق في اصطحاب أطفالها خارج البلاد دون موافقة الزوج، وهو ما كان ممنوعا في السابق.

وبدت تلك التعديلات التي نشرت في الرائد الرسمي الشهر الماضي غير كافية من وجهة نظر المدافعين عن مدنية الدولة خصوصا وأن هناك أطرافا في صلب السلطة تصر على إبقاء الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتشريع.

حالة الخوف والقلق التي تلازم التيار المدني في السودان حيال العلاقة بين الدين والدولة مشروعة حيث أن من الاسباب الرئيسية التي أدت إلى حالة التقهقر واللااستقرار في هذا البلد على مدى العقود الماضية هو عملية الخلط بينهما، وبالتالي فإن فصلهما من وجهة نظر هؤلاء ضرورة ملحة لبناء سودان جديد يقوم على المساواة التامة والمواطنة الحقة، سودان يتسع للجميع.

المدنية غير كافية

 تعتبر قوى فاعلة في المشهد السوداني الحالي أن التنصيص على مدنية الدولة لا يكفي لأن هذا المصطلح قابل للتلاعب من قبل التيار الإسلامي الذي يقول شق منه إن المبادئ التي ترتكز عليها مدنية الدولة، وهي السلام والعدل والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات، لا تتعارض مع ما جاء به الدين الإسلامي بل إنها تجسد جوهره.

وتتمسك تلك القوى بالتنصيص على مبدأ العلمانية الذي يفصل بشكل قاطع لا لبس فيه بين الدين والدولة، بحيث لا يسمح لأيّ طرف يتدثر بالرداء الديني الوصول إلى السلطة، أو استغلال الدين خدمة لأجنداته السياسية، على غرار ما قام به نظام الرئيس المعزول عمر حسن البشير وقبله نظام الرئيس جعفر جعفر نميري.

ويصعد الداعون لتطبيق العلمانية من خطواتهم في الآونة الأخيرة في ظل استشعارهم خطورة المرحلة ودقتها نتيجة هشاشة الوضعين الأمني والاقتصادي وتزايد المخاوف من حدوث انقلاب لاسيما مع عودة الإسلاميين بقوة إلى الساحة.

وترجم ذلك في توقيع تجمع المهنيين السودانيين الذي قاد الحراك الشعبي ضد البشير، والحركة الشعبية – شمال، بقيادة عبدالعزيز الحلو، في الـ27 من يوليو الماضي “إعلانا سياسيا”، من 17 نقطة تضمن التأكيد على أن السودان “دولة مدنية مستقلة ذات سيادة ديمقراطية تعددية لا مركزية، تقوم على فصل الدين عن الدولة”.

ونص الإعلان السياسي الذي جرى إبرامه في عاصمة جنوب السودان جوبا على أن “تكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات دون تمييز، ويكون الشعب مصدر السلطات، ويسود فيها حكم القانون والتداول السلمي للسلطة والتقسيم العادل للثروات”.

وأكد الإعلان على “ضمان حماية حرية المُعتقد وحرية العبادة وحرية الفكر والممارسة الدينية، وألا يقوم أيّ حزب على أساس ديني، وإلغاء جميع القوانين التي تقوم على أسس دينية والرجوع للعمل بقوانين 1974 إلى حين التوافق على الدستور الدائم”.

وقال صديق يوسف، عضو المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، إن الإعلان السياسي بين تجمع المهنيين وحركة تحرير السودان، جناح عبدالعزيز الحلو، لا ينفصل عن الميثاق الوطني الذي وقّعت عليه جميع القوى السياسية التي شاركت في التجمع الوطني الديمقراطي في أسمرا خلال العام 1995، وأن مسألة فصل الدين عن الدولة أمر توافقي بين جميع القوى الثورية، وإبرازه في شكل اتفاق جديد يدعم رؤى القوى المدنية التي تسعى لإقرار هذا المبدأ.

وأضاف لـ “العرب”، أن التحركات السياسية الحالية في هذا الإطار تلقى قبولاً من الشارع الذي يحاول التخلص من قوانين الرئيس السابق جعفر نميري التي أقرها بمعاونة تنظيم الإخوان والحركة الإسلامية، مطلع ثمانينات القرن الماضي، وأن الفترة الحالية تشهد بداية تشكيل جبهة داخلية داعمة لفصل الدين عن الدولة، غير أن الوثيقة التي وقعها تجمع المهنيين وجناح الحلو لم تطرح بعد على قوى الحرية والتغيير.

وكان تجمع المهنيين قد انسحب الشهر الماضي من هياكل قوى إعلان الحرية والتغيير، التحالف المدني المشارك مع المؤسسة العسكرية في إدارة المرحلة الانتقالية، بيد أن التجمع الذي يضم عدة نقابات مهنية أكد أنه ما يزال على العهد فيما يتعلق بميثاق الحرية والتغيير، مطالبا بضرورة إعادة هيكلة التحالف المدني الذي وصف هياكله الحالية بالعرجاء.

وفي الأول من يناير 2019، وقّع تجمع المهنيين السودانيين على “إعلان الحرية والتغيير”، مع تحالفات سياسية ومسلحة شملت قوى الإجماع الوطني، وتحالف أحزاب وحركات مسلحة في “قوى نداء السودان”، والتجمع الاتحادي المعارض، ومنظمات مجتمع مدني، تضمن التأكيد على مدنية الدولة. وأشار صديق يوسف إلى أن الفترة المقبلة سوف تشهد العديد من الحوارات

 السياسية بين الأطراف الموقّعة على ميثاق إعلان الحرية والتغيير من أجل الاتفاق على مبادئ رئيسية حاكمة لإدارة الفترة الانتقالية، وأن تجمع المهنيين والحركات المسلحة الموقعة على الاتفاق ستكون مشاركة في تلك الحوارات.

وبدا واضحا أن هناك خللا في إدارة المرحلة الانتقالية التي انطلقت في السودان في الـ29 من أغسطس الماضي، في غياب الانسجام بين مكونات السلطة وتخبطها، وفي ظل عدم وجود تمش جدي في التعاطي مع أمهات القضايا في هذا البلد ومن ضمنها مسألة الهوية التي تحتاج إلى حسم لقطع الطريق على محاولات المنظومة القديمة العودة مجددا وتلقى في ذلك دعما من قوى إقليمية من مصلحتها إذكاء التوتر في هذا البلد وإفشال القوى المدنية.

الشريعة في خدمة الحاكم

القطع مع التجارب السابقة
القطع مع التجارب السابقة

استغلت المنظومة القديمة، المشكّلة من تحالف هجين بين الإسلاميين والعسكر بقيادة عمر البشير، الدين في تكريس قبضتها على الحكم وكتم الأصوات وضرب القوى المدنية المعارضة، وتنويم الشعب السوداني.

وكان أن عمد البشير مند بلوغه السلطة في العام 1989 إلى وضع يده على هيئة علماء السودان، تلا ذلك إصدار جملة من القوانين المثيرة للجدل التي وضع أسسها الأب الروحي لنظام الإنقاذ الراحل حسن الترابي وضيقت على الحريات تحت غطاء تطبيق الشريعة على غرار القانون الجنائي لعام 1991، وقانون النظام العام لعام 1996، الذي فرض جملة من التشريعات المتشددة من قبيل منع الاختلاط وفرض عقوبة الجلد، والتدخل في الزي النسائي.

وللمفارقة فإن البشير زج بمهندسي تلك القوانين وعلى رأسهم الترابي في السجن تحت ذريعة انتهاكها، ما يؤكد أن الغاية منها كانت لجم أيّ صوت معارض، وليس تطبيق الشريعة كما يدعي.

وفي خطوة لتكريس تلك القوانين تم التنصيص في دستور صدر عام 1998 على أن “الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاء ودستورا وعرفا هي مصادر التشريع، ولا يجوز التشريع تجاوزا لتلك الأصول”.

للإشارة فقد تم اعتماد ذلك الدستور في وقت يمرّ فيه السودان بظرفية حساسة، في ارتباط بتزايد النزاعات الداخلية وتصاعد التوتر بين نظام الرئيس عمر حسن البشير والمجتمع الدولي، وحاول البشير عبر ذلك الدستور شد عصب الإسلاميين إليه وتوسيع الحزام الداعم له، في مقابل تكبيل أيّ نفس معارض في الداخل.

وثبت للبشير لاحقا أن هذا التمشي لم يزده إلا نفورا في الداخل وعزلة في الخارج، لاسيما وأنه بات ورموز نظامه ملاحقين من قبل المحكمة الجنائية الدولية على خلفية ارتكاب مجازر في إقليم دارفور غرب البلاد. وبدأ الرئيس المعزول منذ العام 2004 تعديل سياساته الصدامية، ومن نتاجات تلك الاستدارة وضع دستور جديد في العام 2005، حاول أن يقدم من خلاله بعض التنازلات الشكلية مع التمسك بكون “الشريعة الإسلامية والإجماع مصدراً للتشريعات”.

يقول شق من التيار الإسلامي إن المبادئ التي ترتكز عليها الدولة المدنية تجسد جوهر الدين

البشير المعروف عنه براغماتيته حاول من خلال دستور 2005 الحفاظ على كتلته الإسلامية، مع التسويق لرغبة في التغيير لم تنطلي على مناوئيه.
ويقول سياسيون سودانيون إن البشير كان يدرك أن التخلي عن الشريعة سيعني التخلي عن أهم أدوات حكمه، وسيؤلب عليه الحركة الإسلامية التي تعد الحاضنة السياسية والرافد الشعبي الداعم لحكمه، وبالتالي فإنه كان يشدد على تكريس الشريعة كمصدر أساسي للتشريع.

وتدخل الدين في السياسة لم يكن وليد تجربة الإنقاذ بل يعود إلى زمن استقلال السودان في العام 1956، حيث حصلت نقاشات عميقة ومستفيضة خلال وضع دستور للبلاد، بشأن فرض الشريعة الإسلامية بالنظر لطبيعة المجتمع المحافظة، إلا أن هذا الطرح أجهض على يد القوى القومية واليسارية الصاعدة.

شكل العام 1983 التحول الكبير بالنسبة إلى السودان حينما عمد الرئيس جعفر جعفر نميري إلى إقرار حدود الشريعة الإسلامية في خطوة لا تخلو من دوافع سياسية في علاقة بسعيه لكسب دعم الإسلاميين في المواجهة بينه وبين أصدقاء الأمس القوى اليسارية.

لكن مشروعه لم يدم طويلا حيث ثار الشعب السوداني ضده بعد أشهر من إعلانه حدود الشريعة، لتنتهي حقبة جعفر نميري في العام 1985، بعد انحياز وزير الدفاع آنذاك الراحل سوار الذهب لجموع المنتفضين، وهو نفس المصير الذي لاقاه البشير حينما تجاهل تجربة جعفر نميري وكان يعتقد أنه قادر على الإتيان بما لم يأت به الأخير.

مسار شائك

العلمانية مشروع عقلاني أم رد فعل عاطفي على خيبات الماضي
العلمانية مشروع عقلاني أم رد فعل عاطفي على خيبات الماضي

اعتبر الناشط الحقوقي، نصرالدين يوسف، أن فشل تجربة الحكم المرتبطة بتنظيمات الإسلام السياسي أفرزت الحاجة إلى ضرورة إبعاد الدين عن الدولة وإنهاء فترة استغلال الدين وتطويعه لصالح الأهداف السياسية للسلطة الحاكمة، وأن الممارسة التي أعقبت فترة إزاحة الحركة الإسلامية أثبتت للشارع أن المواطنة هي السبيل الأوحد لاستعادة الحرية والكرامة الإنسانية.

وأكد يوسف لـ”العرب” أن الاستحقاقات السياسية للسودان في المستقبل تتطلب أن تكون قوانينه متماشية مع المواثيق الأممية التي وقّع عليها وتؤمن بحرية الدين والاعتقاد، إلى جانب أن ذلك يعد استجابة لمطالب الثورة التي مازالت تبرهن على أنها حاضرة.

ولفت إلى أن طرح مصطلحات مثل علمانية الدولة لا يختلف عن الهدف الأسمى لجموع الشعب السوداني الذي يبحث عن تأسيس دولة مدنية، والمحك الأساسي هو ما نادت به ثورة ديسمبر وجاء في الوثيقة الدستورية من أن الحقوق والواجبات في الدولة السودانية تكون على أساس المواطنة، ولا اختلاف جوهريا بين فصل الدين عن الدولة وبين الدولة المدنية، بالتالي فالحديث عن علمانية الدولة أمر سليم ومطلب جماهيري، خلافاً للدعوات المغرضة التي ينادي بها الإسلاميون من كون الأمر يتعلق بالإلحاد وكراهية الدين.

وأوضح أن تخدير الشعب باسم الدين لم يعد مجدياً، ولعل ردة الفعل الضعيفة على تعديل قوانين الحريات مؤخراً أكبر دليل على ذلك، ومن خرجوا في الشوارع لرفض هذه التعديلات هدفوا بالأساس للحفاظ على مصالحهم التي ضربتها الثورة.

وقال يوسف إن التاريخ السوداني منذ الاستقلال في العام 1956 شهد صراعات عديدة على هوية الدستور بين قوى عمدت إلى تأسيس دولة دينية وبين مطالبات معارضة لإبعاد الدين عن السياسية وكان نتيجة هذه الصراعات العديد من الانقلابات العسكرية قبل أن تصحح ثورة ديسمبر هذا الوضع بإقرار التحول التشريعي والدستوري من خلال حراك شعبي سلمي.

وذكر أن القوى الثورية السودانية تضع في حسبانها أيضاً إمكانية أي تحركات انقلابية لوأد هذه المطالبات التي تشكل ركيزة أساسية لشكل الدولة في المستقبل، لكنّ هناك أدراكا بأن أصوات نظام عمر البشير داخل المؤسسة العسكرية ضعيفة ولا تستطيع أن تقدم على انقلاب عسكري ناجح، كما أن الشعب لن يصمت أمام أيّ محاولة انقلابية جديدة.

ورغم إرادة التغيير فإنه لا يخفى أن مسار بناء دولة مدنية تعددية ليس سالكا فإلى جانب محاولات التشويش التي يقوم بها الإسلاميون، هناك قوى في السلطة تعارض فصل الدين عن الدولة، وسبق وأن صرح نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي ردا على المطالبة بإقرار العلمانية خلال مفاوضات السلام بجوبا بأن الشعب السوداني لن يجامل في دينه الإسلامي.

ولا يقتصر هذا الرفض على جزء مؤثر داخل مشهدية السلطة، بل وأيضا يشمل قوى سياسية وازنة على غرار حزب الأمة القومي الذي دعا رئيسه الصادق المهدي (زعيم طائفة الأنصار) مؤخرا إلى  تشكيل ما أسماه بتحالف بين «قوى الأجندة الوطنية» لحماية البلاد «من الإسلاميين والجماعات العلمانية».

صابرة دوح

كاتبة تونسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *