السودان اليومالسودان عاجل

جريدة لندنية : الحركة الإسلامية تتنفس الصعداء كلما احتدم الخلاف السياسي

العرب اللندنية – حصدت الحركة الإسلامية في السودان مكاسب كبيرة من وراء العمق والانتشار والتغلغل في قمة المجتمع وقاعه، جعلتها تنأى عن شبح السيناريو المصري.

يكتسب التيار الإسلامي في السودان حيوية مع كل يوم يمر من دون توصل المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير إلى اتفاق نهائي لإدارة المرحلة المقبلة، وتدبّ الروح في جسد الحركة الإسلامية مع كل رعونة أو خطأ يرتكبه أحد الطرفين، وتتنفس الصعداء كلما احتدم الخلاف السياسي بينهما.

تُجْمع إرادة المعتصمين والمجلس بقوة على عزل عناصر الحركة والتخلص من الكوادر المناصرة لها في المؤسسات المختلفة للدولة، وأصبح هذا المحدد محل توافق من الجانبين، ويكاد يكون القاسم المشترك الأعظم الذي لم يخضع للجدل والنقاش والأخذ والرد، وباتت التفاهمات حوله مبدئية، وليست بحاجة إلى الدخول في المزيد من التفاصيل.

يبدو أن توقف المفاوضات وتعثر الاتفاق لمدة ثلاثة أيام منحا القيادات النشطة في الحركة الإسلامية ورقة للخروج إلى العلن، بعد مرحلة من الكمون دققت خلالها في محتويات المشهد العام وقرأت ما بين السطور، وبعثت بإشارات في اتجاهات متباينة عسى أن تجد لها موطئ قدم على ساحة مسدودة تلقائيا أمامها.

وجد البعض من قادة الأحزاب السودانية المحسوبة على الحركة الإسلامية ضالتهم لدغدغة مشاعر الناس، عندما دعوا إلى تظاهرة السبت الماضي، أمام القصر الجمهوري ضد بوادر الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، بذريعة أنه “إقصائي ويتجاهل تطبيق الشريعة الإسلامية”.

دعك من التهديدات الصريحة التي حملتها الدعوة إذا تم استكمال وتطبيق الاتفاق، حيث يفتح في نظر أصحابها “أبواب جهنم على السودان”، ودعك من المضامين الملتوية التي بدت في كلمات أصحاب الدعوة، وتوقف عند جرأتهم الشديدة بصورة جعلتهم يصرون على السير عكس الاتجاه العام ويناطحون الرغبة العارمة في الإقصاء لإثبات أنهم الرقم الأهم في المعادلة القديمة والجديدة.

يختلف طيف الحركة الإسلامية في السودان عن غيره في دول أخرى، من ناحيتي الكم والكيف. فهي تملك قماشة واسعة وألوانها زاهية ومتعددة وتستطيع تضييق المسافات البينية وقت اللزوم. لكن القماشة نفسها قد تتمزق بما يصعب رتقه أحيانا، وتدخل القوى الملتحفة بعباءتها في خلافات وعرة ربما تصل إلى درجة الاغتيال المعنوي والتصفية السياسية الحادة.

هناك شواهد كثيرة تعزز هذه القناعة، أبرزها ما جرى بين الرئيس المعزول عمر حسن البشير ومعلمه الراحل الدكتور حسن الترابي، فضلا عن تنحية الكثير من الرموز العسكرية والشرطية والسياسية والحزبية من الواجهة، وكانت قريبة من البشير وتمثل سندا للنظام لفترة طويلة، وفي مقدمتها نافع علي نافع وعلي عثمان محمد طه وغازي صلاح الدين، وكلهم تم إبعادهم عندما تيقن البشير أنه استهلك أغراضه منهم.

شهدت العقود الثلاثة التي أحكم فيها البشير قبضته على السودان عمليات عديدة في فنون التخفي والمراوغة والكر والفر والشد والجذب بين رفقاء الأمس، لم تخل من ملامح ود عند المحكات التي تعرض فيها النظام لتهديدات قوية من خارجه، أو تتراكم فيها التحديات الداخلية بما ألّف مؤقتا بين قلوبهم، ولن تكون ثمة مرحلة فارقة أكثر من اللحظة الراهنة، يحتاجون فيها إلى التكاتف والبعد عن مرارات الماضي.

يدرك هؤلاء أن السفينة أوشكت على الغرق ولا بد لطاقمها من التفاهم ليتمكنوا من الإمساك بطوق النجاة. فالطوفان القادم لن يبقي على أحد، إذا استمر التنافر والتباعد، وكثرة المنظرين للحركة وغلبة الرؤى الأحادية والتراشقات الشخصية أضعفتهم جميعا، ومكنت خصومهم من القبض على زمام الحل والعقد، وأفضت إلى خروجهم من السلطة، وبالتالي من الواجب التلاحم ونسيان الخلافات كي يتسنى الانحناء للعاصفة وعبور مطباتها.

ظهرت مقدمات هذا الطريق عندما أخذت التظاهرات طابعا كثيفا وجديا، بدءا من ديسمبر الماضي، فانطلقت أبواق توارت لفترة طويلة للدفاع عن نظام البشير، وبدأت بعض العناصر من أجنحة مختلفة داخل التيار الإسلامي تتحرك لإحداث فتنة بين المحتجين، لكن جرت فرملتها خوفا من قفزهم على الحكم، فخسرت جميع مكونات الحركة الأم السلطة، ما دفع نحو إعادة ترتيب الأولويات والالتفات إلى المخاطر الجمة التي تهددهم أملا في العودة.

تعتقد دوائر كثيرة في الحركة الإسلامية أن سماحة وطيبة وتديّن أهل السودان ميزات كبيرة يجب استثمارها وعدم التفريط فيها. ويرى هؤلاء أن تمكن الحركة من مفاصل الحكم على مدار ثلاثين عاما يعد عاملا مهما، ويعزز المظاهر التاريخية العميقة في المجتمع السوداني، حيث تملك الأحزاب التقليدية مروحة دينية واسعة، جعلتها في أوقات كثيرة قريبة من الأحزاب صاحبة التوجهات الإسلامية، أو على الأقل لا ترفض التفاهم والتكيف وتقبل الشراكة معها.

تقدم هذه الخصوصية فائدة كبيرة للحركة، فرضت عدم الانجرار لطريق العنف المعتاد عليه في دول عربية عدة، وتمكنت من تجاوز دعوات الإقصاء التام لها وتوقيف النداءات الحماسية الراغبة في إخصاء المحسوبين على الحركة، واستعدت لإجهاض المساعي الحثيثة إلى وضع قائمة بأسماء مرشحة للقبض عليها ومحاكمتها بتهم الفساد السياسي والأمني والمالي.

حصدت الحركة الإسلامية مكاسب كبيرة من وراء العمق والانتشار والتغلغل في قمة المجتمع وقاعه، جعلتها تنأى عن شبح السيناريو المصري، عندما جرى إقصاء جماعة الإخوان من المشهد السياسي وتقويض أجنحتها في مؤسسات الدولة وتصفية أذرعها الأمنية، وفقدت التعاطف الشعبي وخسرت البنية الرسمية التي ساعدتها على الصمود، حتى هوت الجماعة سياسيا، وسقطت في أول اختبار للحكم خلال عام واحد.

يختلف الوضع في السودان من زاويتين، الأولى أن الحركة الإسلامية هناك أكثر حنكة سياسية ولها تجربة طويلة في الحكم، وحرصت مبكرا على الاحتفاظ بمسافة بعيدة عن جماعة الإخوان في مصر، وتمتعت بقدر وافر من الاستقلالية عن التنظيم الدولي للإخوان ساعدها على اكتساب مرونة أكبر في التعامل مع التطورات المفاجئة من دون أن تكون مكبلة تماما بضوابط سياسية تفرض عليها التقيد بمعايير السمع والطاعة.

أما الثانية فهي تتعلق بوجود عدد كبير من الأحزاب ذات الانتماءات والجذور الإسلامية وبدرجات متفاوتة، لكنها تصب في معين واحد إذا وجدت الخطر يقترب منها، الأمر الذي يتم العمل عليه لتقليل الخسائر ومحاولة الاستفادة من قلة خبرة التجمعات السياسية الصاعدة، والتركيز على اللجوء إلى إرادة الشارع والدفع سريعا نحو صندوق الانتخابات باعتباره الأداة النزيهة والفيصل للحكم على التيار أو الحزب الأكثر شعبية.

تعلم قيادات الحركة الإسلامية أن السودان غير مصر، من حيث القوة والعدد والبيئة، وتعلم أن رصيدها الكبير لن يسمح لها بالذوبان في جماعات أخرى تتبع العنف مباشرة، وتعلم أيضا أن تباعدها عن الأحزاب الأخرى يمكن علاجه أو تطويق معالمه السلبية من خلال القبول بقواعد اللعبة الديمقراطية التي ترسم معالمها قوى الحرية والتغيير العلمانية، وتعمل على تطبيق النموذج التونسي.

تريد الحركة الوصول إلى هذه النقطة المتقدمة. وتسعى إلى ترك الأمور تمضي على وتيرة هادئة، ولن ترتكب حماقات تضع الكثير من رؤوسها تحت مقصلة سياسية أو محكمات جنائية. ويراودها أمل في تدشين عملية تسوية تصالحية تسمح للجميع بالمنافسة، وهو غاية المنى بالنسبة لها، لأنها تملك من الإمكانيات المادية والتنظيمية والسياسية ما يساعدها على تجاوز الكثير من المشكلات، التي يحتاج خصومها إلى المزيد من الوقت لتفكيك تشابكاتها، وتخطي الحواجز التي أوجدتها حداثة تجربة بعض القوى المنضوية تحت تحالف قوى الحرية والتغيير.

محمد أبوالفضل
كاتب مصري

تعليق واحد

  1. الحركة الإسلامية لم نري منها طوال الفترات الفائته غير حركة شيطانية تدعي الإسلام و الأسلمة ولكن نهجها لا يتفق لا مع الإسلام ولا مع الشرع بل تسعي دوماً لمكاسب نوعية وعينية لجهات وكيانات محددة ولا يهمها ما يهم الشارع السوداني و السواد الأعظم. لن تعلمنا الحركات الإسلامية لا الإسلام ولا الشريعة فالسودان بلد مسلم بالميلاد عدا القلة القليلة والتي بالإحتكاك بالسواد الأعظم من المسلمين تمارس الحياة المجتمعية وكأنها مسلمة عدا بعض الفلتات القليلة . أتقوا الله فينا وفي ديننا وفي إسلامنا فأنتم تسيرون كمن يتخبطه الشيطان من المس حسبي الله عليكم وعلي أفعالكم . لماذا لم تناصحوا البشير والمؤتمر الوطني وهم في قمة فسادهم . لماذا إرتضيتم تطبيق الشريعة علي الفقير وأنتتم تراقبون بينما لا يتم تطبيقها علي الغني وأنتم مغلقي أفواهكم ؟؟؟ هــل هذا هـو الشرع ؟؟؟ لماذا لم يكن لكم دور في تنوير و تعليم و تهذيب القانون و الشريعة واضحة و التناصح مبدأ وأنتم تكنزون الذهب والفضة هل هــذه هي الشريعة التي تدعون من دون الله !!!!
    لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم عبده ورسوله
    أعلموا أنكم أصبحتم مكروهين من عامة الناس و الحق أن تداروا أنفسكم من خلق الله و أن الله يراكم ولا تروه ويعلم أفعالكم ولا تعلمون إلا صفاته و التي تجاهلتم بعلم أو بجهل أو بفعل الشيطان مدي قوته وقدرته علي أن يخسف بكم الأرض حيث تدعون ما لا تفعلون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق