السودان اليومالسودان عاجل

جريدة لندنية: السودان على مفترق المدنية والعسكرة.. هل تمتلك قوى التغيير الجرأة وتضع العسكريين تحت الأمر الواقع ؟

هل تمتلك قوى إعلان الحرية والتغيير الجرأة والمبادرة إلى تشكيل المؤسستين التشريعية والتنفيذية، حتى وهي تفاوض، فتضع العسكريين تحت الأمر الواقع؟

العرب اللندنية – بعد جولتين من المفاوضات بين قوى إعلان الحرية والتغيير في السودان، التي قادت المظاهرات والاعتصامات الشعبية الكبرى على مدى خمسة أشهر بنجاح وأفضت إلى تنحية الرئيس عمر حسن البشير، وبين المجلس العسكري الذي حسم أمر بقاء البشير في السلطة، وأنهى بذلك طموحاته بعد أن كان يستعد لمواصلة مسيرة حكمه بعد 30 سنة حفلت بالانقسامات والكوارث والحروب التي أفضت إلى تقسيم البلاد.

علّق المجلس العسكري التفاوض مع قوى إعلان الحرية والتغيير 72 ساعة، وذلك “حتى يتهيأ المناخ لإكمال الاتفاق” حسب عبدالفتاح برهان رئيس المجلس العسكري الذي أعلن بنفسه تعليق التفاوض، متذرعا بفوضى الاعتصامات التي توسعت إلى الشوارع الرئيسية في الخرطوم والتي أغلقت بالمتاريس، وبعد ليلتين من العنف ضد المعتصمين سقط منهم ومن العسكريين عدة قتلى وإصابات.

جاء ذلك بعد أن تم الاتفاق على النقاط الرئيسية التي تنظم وضع مؤسسات السلطة خلال المرحلة الانتقالية التي اتفق على أن تدوم لثلاث سنوات، وعلى صلاحيات كل من المجالس ودور كل منها بما يفضي في نهاية المرحلة الانتقالية إلى انتخابات ديمقراطية تنتج سلطات دستورية تضع البلاد على طريق النمو والاستقرار والتداول السلمي على السلطة.

في الجولتين الأوليين من التفاوض حسم العديد من القضايا التي كانت موضع خلاف، ومنها مدة المرحلة الانتقالية وعدد أعضاء المجلس التشريعي وصلاحياته وصلاحيات الحكومة وصلاحيات مجلس السيادة، ولم يتبق للجولة الأخيرة التي علق المجلس التفاوض فيها سوى تشكيلة مجلس السيادة ورئاسته.

الأحد الماضي وبعد انقضاء مهلة الـ72 ساعة استؤنف التفاوض ليلا، بعد أن طلبت قوى إعلان الحرية والتغيير من المعتصمين التزام ميدان الاعتصام وفتح الشوارع الرئيسية وسكة الحديد التي كان البرهان قد علق التفاوض لأجلها، كما طلبت تلك القوى من المعتصمين الاستمرار بالتدفق إلى ساحات الاعتصام المحددة وتحاشي استفزاز قوات الجيش وقوى الدعم السريع. وهذا ما تم.

غير أن جلسة التفاوض بشأن تشكيل المجلس السيادي التي استمرت طوال ليل الأحد الاثنين لم تسفر عن اتفاق، إذ أصر العسكريون على جعل المجلس السيادي من نصيبهم: رئاسة وأكثرية أعضاء. وهذا ما لا يمكن لقوى الحرية والتغيير الموافقة عليه لأنها التزمت أمام الشارع بمدنية السلطة الانتقالية وعدم نقل السلطة من العسكر إلى العسكر من جديد.

فكان تشكيل لجنة تفاوض لمتابعة الحوار الذي ملّه الشارع وبات يطالب بوقفه والانتقال إلى مرحلة أعلى من الثورة: الإضراب السياسي والعصيان المدني. وهذا ما توعدت به قوى إعلان الحرية والتغيير في حال استمر العسكر بالتسويف والمماطلة. أما تهديد نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو (حميدتي) الأخير بفصل كل من يلجأ إلى الإضراب من عمله فقد تناوله المعتصمون بالكثير من السخرية.

لقد برهنت قوى إعلان الحرية والتغيير عن جدارة تمثيل السودانيين جميعا بمن فيهم القوى والحركات المسلحة، حيث كان السلام أحد أبرز العناوين التي طرحتها وتحرك تحتها السودانيون جميعا، وأظهرت قدرة وصبر في إدارة الحراك السلمي وحمايته من الانزلاقات، وكذلك عن حكمة عالية في تجنيب البلاد الانزلاق إلى مزالق دموية خطيرة، خصوصا بعد أن تعرّض المعتصمون إلى هجمات وإطلاق نار ما أدى إلى العشرات من الإصابات وأودى بحياة الكثيرين في أكثر من واقعة. هذا ما محض قوى إعلان الحرية والتغيير كامل ثقة السودانيين، فاستجابوا لنداءاتها وتحركوا ضمن الخطوط التي رسمتها.

غير أن ما يبعث على السرور كانت التظاهرات التي عمّت مدن جنوب السودان وعاصمته جوبا في الأسبوع الماضي، والتي أرسلت التحيات إلى شعب السودان وثورته المجيدة ووعدت بالعودة إلى حضن السودان الذي يتسع للجميع.

كل هذا يرتب مسؤوليات جسام على تلك القوى، وهي مسؤوليات تتطلب الجرأة والإقدام اللذين يمكنانها من فرض أحقية تمثيل الشارع من خلال قرارات سياسية تلزم الجميع بمن فيهم، وعلى رأسهم القيادات العسكرية الممثلة اليوم بالمجلس العسكري ليكون العسكر تحت سلطة القانون الذي تسنّه السلطة التشريعية وتطبقه السلطة التنفيذية المتمثلة بالحكومة.

فهل تمتلك قوى إعلان الحرية والتغيير الجرأة والمبادرة إلى تشكيل المؤسستين التشريعية والتنفيذية، حتى وهي تفاوض، فتضع العسكريين تحت الأمر الواقع؟

إن أخشى ما نخشاه أن تستغل قوى الإسلام السياسي الفرص وتلجأ إلى التخريب حيث بدأت تطل برأسها وتعلن رفضها للديمقراطية ولمدنية الدولة، لذا وجبت المبادرة إلى حسم الأمور.

عديد نصار
كاتب لبناني – جريدة العرب اللندنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق